• ×
الجمعة 24 نوفمبر 2017 | 04:17 صباحاً
يا بيروت

بيروت بين يدي القرن التاسع عشر

مع استهلال القرن التاسع عشر للميلاد، بدأت طلائع العصر الحديث بما رافقها من محاولات أولية للخروج بالشرق العربي من تحت أقبية الماضي المعتمة الى وضح الحضارة المشرقة. وكانت هذه المحاولات أول أمرها مضطربة وغير واضحة، الا أنها مع الزمن، ما لبثت أن اتضحت وتركزت واتخذت لها منطلقا ً أساسيا ً يعتمد على المنهج الغربي للحياة الجديدة، بصرف النظر عما كان من رأي الشرقيين يومئذ بالغرب نفسه. ومن الواضح أن هذا المنهج ما يزال حتى اليوم سائرا ً في نفس الاتجاه رغم كل الجهود التي بذلها المحافظون لوقفه أو الحيلولة دون امتداد طغيانه على المجتمع الشرقي الذي كان يرى في ماضيه أفضل الوسائل للمحافظة على ذاتيته وشخصيته.

ولقد أصاب مدينة بيروت من هذا المنهج الأجنبي صيب من المؤثرات الفعالة، سواء في أعماق الحياة الاجتماعية للبيروتيين أو في ظواهرها، ذلك أن الغربيين كانوا يتوقعون منذ ذلك الحين، بل من قبله، لهذه المدينة الانطلاق من عقال أسوارها الضيقة والانتشار في أرباضها المحيطة بها، ومن ثم أن تكون بلدا ً مزدهرا ً ومرموقا ً في هذه المنطقة من العالم العربي، لا سيما وأن مجرى الأمور في العالم الاسلامي نفسه، كان يوحي منذ نهاية الحروب الصليبية بأن مدينة بيروت بالذات، آخذة بالخروج من حياة البساطة والعزلة والاهمال الى حياة أكثر جدية وأهمية.

واننا لنجد "ميشو" المؤرخ الأوروبي الذي عاش في أواخر القرن الخامس عشر وتهيأ له أن يزور الشرق العربي مبتدئا ً بالاسكندرية سنة 1481 ومنتهيا ً ببيروت في نفس السنة، اننا لنجد ميشو هذا يقول:"ان البلدان الاسلامية تعتبر بيروت عاصمة لها، ثم ان الملوك والأمراء الذين تنازعوا فيما بينهم السيطرة على مدن الجوار، كانوا يختارون هذه المدينة ليبسطوا فيها سلطانهم وعظمة تتويجهم".

13- هنري غيز قنصل فرنسا ببيروت

يقدم لنا هنري غيز، الذي أصبح قنصلا ً لفرنسا في بيروت سنة 1828 تحليلا ً عن أسباب انطلاق بيروت وازدهارها لا سيما أنه قد اتيح له أن يزور هذه المدينة بين عامي 1808و1810 أي قبل أن يصبح قنصلا ً لبلاده فرنسا فيها، فهو يقول:

"... لم يكن لبيروت شأن كمدينة تجارية الا منذ ثلاثين سنة تقريبا ً، وانى أستطيع أن أؤكد، لأني زرتها عامي 1808 – 1810، أنه لم يكن يعقد فيها الا صفقات تجارية قليلة، وبما أني لم أبارحها الا عام 1828 بعد أن عدت اليها عام 1824 فقد استطعت أن أتتبع ازدهارها خلال فترة أربعة عشر عاما ً في ابان نهضتها الصناعية الحقيقية، وتضخم ثروة سكانها".

ويحلل غيز أسباب وعوامل تطور عمران بيروت ودخولها في العصر الحديث فيقول:

"... تضافرت عدة عوامل على جعل بيروت المركز الأكثر أهمية على الشاطىء، منها:

1- موقعها المتوسط
2- قربها من الشام (أي دمشق).
3- جودة حرائرها.
4- هدوء خليجها.

وأقول مع هذا، ان العامل الأشد تأثيرا ً هو مجاورتها للجبل الذي حافظ أمراؤه، حاكموه القدماء، على سلطاتهم فيه... وهكذا أثرت بيروت على الرغم من تعنت السلطة وبؤس أساكل سورية الأخرى (أي المدن المرافىء)، لا سيما اسكلة عكة".

"أما الحروب التي خاضتها الشعوب فيما بينها في حلب والشام، فسببت عدة مهاجرات الى بيروت، وازداد عدد سكانها وأستطيع القول بعدما رأيت من السعة التي ظهرت في اسكلة بيروت، عندما ازدهرت فيها الأعمال التجارية، أنها بوجه نسبي، يكثر ثراء ً من دمشق وحلب، اننا لا نجد اليوم شخصا ً بيروتيا ً مرموقا ً، لا يملك على الأقل بيتا ً في الجبل".

وقبل أن ننتقل الى ما كتبه رحالة آخرون عن بيروت في هذا العهد نتابع ما قاله هنري غيز عن بيروت وآثارها، هذه الآثار التي لم يجدها خليقة بعظمتها على حد قوله. قال غيز:

".. اننا ندهش، اذ لا نشاهد في بيروت أثرا ً خليقا ً بعظمة هذه المدينة، فما يجده الرحالة اليوم، تافه جدا ً بالنظر لما كان ينتظر أن يراه فيها، فبقليل من الخيال، والاستعانة بالأعمدة الباقية، نجد اذا ما اتجهنا صوب الشرق، ابتداء من الأعمدة التي ما تزال منتصبة في المسجد المحمدي الصغير المسمى "بالرجال الأربعين" آثار هيكل، قد تكون هذه الصفوف من الأعمدة تؤلف أروقته. واذا حكمنا بالقياس، على صف الأعمدة القائمة وحدها وعلى الكثير المرتمي على مقربة منها، نستنتج ولا ريب أن هذا الهيكل كان فسيحا ً جدا ً، واني أقول (والقول لغيز) وهذا رأيي الخاص، أن الأعمدة الباقية هي أعمدة الجهة الشمالية، اذ أننا لا نزال نجد عدة أعمدة من الصوان من الحجم نفسه في ناحية تحمل على الافتراض، أن الرواق الجنوبي كان يبتدىء بها. ان الأعمدة الموجودة على طريق "باب الدركة" وبرج الكشاف تتخللها مساحات صحيحة القياس تحملنا على الاعتقاد بأنها ما تزال في المكان نفسه الذي احتلته في هذه البنية. "ان باب الدركة" يعلوه حجر ضخم مزين بالرسوم، وقد حفرت عليه مخطوطة العمود، وهو فيما عدا ذلك يصلح مقياسا ً للهيكل".

وعن أخلاق البيروتيين الاقتصادية يقول غيز:

"... والبيروتيون يحتلون المكانة الأولى بالتقتير على أنفسهم في جميع ضروب المعيشة، الا أنني بعد أن تعرفت بأهالي حلب، أقول، اعترافا ً بالحقيقة: ان سكان بيروت يتخلون لهؤلاء عن الأولية... أما ما يلام عليه البيروتيون، فهو أنهم يحاولون أن يجعلوا من البخل فضيلة،... فأطيب الحديث على موائدهم، هو التحدث عن منافع الاقلال في الأكل!

ويغمز غيز من قناة نصارى بيروت بخبث ودهاء، فهو عندما تحدث عن نصارى بيروت لم يكن معهم أقل وطأة مما كان عليه مع المسلمين، ولم يوفرهم من لسعات قلمه عبر كلمات وصمهم فيها بما لا يحبونه لأنفسهم، من ذلك قوله "... لست أدري اذا كان مسيحيو بيروت يميلون الى الاعتقاد القائل بوجود "تعويض" في العالم الآخر، الا أني أعرف رأي الكثيرين منهم في ضروب المكر والغش والخداع، وهم يسمون هذا دهاء ً ولباقة (كذا).

بيروت في العقود الأولى من القرن الماضي

بعد أن أطلعنا على أسباب التحول الحضاري الذي شهدته بيروت في مخاضها الذي سبق دخولها في غمار النهضة الحديثة، وقبل أن نطلع مرة أخرى على آثار هذا التحول بقلم غيز نفسه، وأمثاله ممن كانوا معاصرين له، نريد أن نقف قليلا ً مع السياح الذين أحاطتهم بيروت بأسوارها الضيقة في العقود الأولى من القرن الماضي.

فلقد قرأت لأحد السياح الذين زاروا بيروت سنة 1827 م قوله:

".. وصلنا الى بيروت، وهذه المدينة على شاطىء البحر، وبيوتها صغيرة وشوارعها ضيقة عدا سراي الحكومة التي هي جزء من قصر الأمير فخر الدين المعني، وبعض دور القناصل ورايات دولهم تخفق فوقها، يحيطها بالبر سور متخرب ولم تزل بعض جدرانه من الجهة الشرقية باقية. وخارج السور ميدان واسع وسطه برج عال مربع الشكل من بناء الأمير فخر الدين الشهير. ومن جهتها الجنوبية صحراء رملية غرس فيها هذا الأمير غابة كثيفة من شجر الصنوبر لتقي المدينة من تيار الرمل".

زرت اليسوعي في ديره عند باب بيروت الشرقي قرب برج فخر الدين، وسراي الحكومة هي قسم من سراي فخر الدين، وغرفها كلها مرصوفة بالرخام المرمري، وأركانها الشمالية ملاصقة لباب المدينة الكبير. وهناك نبع ماء تظلله شجرة جميز كبيرة.

14- الأب ريكاردونا

في حدود بداية العقد الرابع من القرن الماضي، وبالتحديد سنة 1831 حضرت الى بيروت بعثة يسوعية في مهمة دينية، كان من بين أعضائها الأب ريكاردونا الذي انتهز فرصة وجوده في هذه المدينة فبعث الى رؤسائه الروحيين في أوروبا برسالة يشرح لهم فيها تفاصيل اقامته لأول مرة في ربوع الشرق، خاصا ً مدينة بيروت بالذات بصورة قلمية من عمرانها وسكانها. ونحن ننقل هذه الصورة لما فيها من طرافة تدنيها من حكايات الأساطير القديمة.

قال ريكاردونا:

"... انه يطول الشرح كثيرا ً ان أردت أن أخبركم بكل ما لفت نظرنا من الغرائب عند وصولنا الى هذا العالم الجديد: طبيعة شائقة وسماء متلألئة وهواء نقي، ومناخ لطيف وأراض بور تغطيها الرمال، وبيوت صغيرة تكاد لا ترتفع عن سطح الأرض لا شوارع بل أزقة تكاد لا تصح الا لمرور الجمال... هذه هي بيروت.

"أما السكان، فيظهرون بالأردية الواسعة الغامقة الألوان، وبالعمائم الفخمة والزنانير العريضة، والغلابين المتدلية حتى الأرض وبالكثير من الشراريب والشرائط والأقراط المتعلقة بالآذان والأنوف والشعور، ثم بالخناجر والغدارات (المسدسات) وهم يحلقون شعور رؤوسهم الا خصلة من الشعر في قمة الرأس يتركونها تطول جدا ً وكذلك يطلقون لحاهم وشواربهم التي تلفت الأنظار. وهم أبدا ً عارو السيقان والأقدام حتى الأغنياء منهم.

.. وفي البلاد كثير من الخيل والجمال، ولكنا لم نصادف مركبة واحدة ولا عجلة حتى ولا دولابا ً!...

وفي عادات أهل بيروت الاجتماعية كتب ريكاردونا واصفا ً تصرفات عائلة نصر الله التي استضافته وزملاءه بدارها التي ما تزال قائمة حتى اليوم خلف كنيسة مار جرجس للموارنة فيما يحاذي سوق أبي النصر حاليا ً، ويتحدث عن زواره في تلك المناسبة فيقول:

"... وأذاع صاحب الدار، هذا السيد الفاضل على جيرانه ومعارفه أن اليسوعيين عادوا الى الشرق، ودعا الى منزله عددا ً من الكاثوليك، ومن مختلف الطوائف. أما نحن فكنا طبقا ً لما ألقي علينا من التعليمات، ننتبه كل الانتباه لما يقوم به هؤلاء الزائرون من واجبات كي نقلدهم بدورنا على أحسن ما يمكننا، فكانوا جميعا ً، دون أن يضعوا عمائمهم، يجعلون يدهم اليمنى على ركبتهم، فعلى صدورهم، فعلى فمهم، فعلى جبينهم، وينحنون حتى الأرض تقريبا ً. وهذه هي طريقة التحية عندهم. ثم كانوا يجلسون القرفصاء مشبكين سيقانهم على السجاد الدمشقي المفروشة به الردهة".

ثم يختم ريكاردونا اليسوعي رسالته الطريفة هذه بقوله:

"مدينة بيروت اسلامية بأجمعها على التقريب، وفيها ثلاثة جوامع..".

وقد أراد ريكاردونا أن يقرب الوصف الطبيعي لمدينة بيروت من أذهان مواطنيه في أيطاليا فقال لهم:

"... والمشهد الطبيعي في ذلك المستطيل من الأرض المتقدم بين البحرين، ألطف وأبدع من مشهد "بوزيب". وبوزيب هذا جبل يقع في الجنوب الغربي من نابولي مشهور بمناظره الطبيعية.

15- كارن

وفي السنة التالية أي سنة 1832 قدم الى بيروت من فرنسا زائران، أحدهما صرف همه لتقصي ما فيها من آثار وحصون واستحكامات عسكرية وهو السائح كارن (Carne)، والثاني هو ذلك الشاعر الفرنسي الشهير لامارتين، الذي تفنن بوصف بيروت من خلال عاطفته الشعرية وجعل من هذه المدينة لوحة منظومة بما أثر عن أسلوبه من رقيق الكلام وبديع المعاني وجميل الصور.

أما كارن فقد اعتبر بيوت بيروت من أبدع الأبنية التركية، وقد كرر غير مرة ارتياحه الى منظر الحصون المشرفة على المدينة، لكنه كان يأخذه العجب من اهمال الترك لترميمها، فان النباتات المتطفلة والحشائش المتنوعة، وأشجار التين البري (الصبير) كانت بارزة من شقوقها وتغطي جدرانها. وبخاصة، وصف شرفات أسوار المدينة البيضوية الشكل.

16- لامارتين

أما الشاعر الفرنسي لامارتين، الذي حل ببيروت سنة 1832 وأقام في بيت من بيوت حي مار مارون شمالي النادي الكاثوليكي القديم الذي يقع على بعد عشر دقائق من قلب المدينة يومذاك، فقد كتب متحدثا ً عما وقع له يوم 7 أيلول فقال:

"... صرفت النهار كله أبحث في ضواحي المدينة لأجد مسكنا ً، فتوفقت الى ايجاده، وهو مؤلف من غرفة واحدة تنام فيها الأسرة كلها، ومن قبو يتناولون فيه الطعام. موقع المنزل من المدينة على بعد عشر دقائق، يصلون اليه بطريق ضيقة، تتدلى فوقها ألواح الصبير الشائك ويمرون اليه بقناطر قديمة وبرج كبير شيده أمير الدروز فخر الدين واتخذه اليوم حرس ابراهيم باشا مرقبا ً".

ثم يقول لامارتين: "... بيروت من المدن السورية الآهلة بالسكان، وقد عرفت عند الأقدمين باسم "بيريت" وأصبحت على عهد أغسطس مستعمرة رومانية، وأطلق عليه الفاتح الروماني اسم جوليا فيلكس (السعيدة) وقد ميزت بهذه الصفة لخصب ضواحيها وفخامة موقعها وجمال جوها العديم المثال، والمدينة اليوم قائمة على رابية جميلة تنحدر شيئا ً فشيئا ً الى البحر وقد قامت فيه بعض صخورها فرفعت عليها الحصون التركية.

أما ميناؤها فهو كناية عن لسان أرضي يمتد في البحر ويقي البواخر من الرياح الشرقية. وكل هذه البقعة وما حولها مكللة بخضرة جميلة، وترى أغراس التوت قائمة على مدرجات من الأرض. وشجر الخروب والتين والدلب والبرتقال والرمان تلقي ظل أوراقها المختلفة الألوان على تلك الأنحاء، ووراءها الزيتون ذو الورق الرمادي، يزركش هذا المنظر الأخضر البديع.. وعلى مسافة ميل من المدينة انتصبت سلسلة جبل لبنان وفيها الأخاديد التي يضيع فيها النظر وتنحدر في طياتها مجاري المياه الى صور وصيدا... واللاذقية.

وقمم تلك الجبال المتفاوتة العلو في السحب البيضاء تسطع من انعكاس أشعة الشمس فتشبه جبال الألب بثلوجها".

وعندما وقف لامارتين على قمة مارمتر لم يتمالك نفسه من أن يبدي دهشته فصرخ قائلا ً: "... لم يعط الله الانسان أن يحلم بكل الجمال الذي صنعه، كنت أحلم بمشاهدة جنة عدن، ويمكنني القول: انني شاهدتها!...

بيروت عند انتصاف القرن التاسع عشر

جاء في مذكرات حبيب رزق التي حققها فيليب حتي أنه: "بعد طرد العساكر المصرية سنة 1840 أخذت بيروت بالازدهار التجاري، وصارت المراكب تؤمها من أصقاع نائية مقلة الأقمشة من مانشستر والسكر من هامبورغ، والألبسة من فرنسة، وراجعة بالمحصولات الحريرية من لبنان وحبوب البقاع والزيت والجوز والخشب والأثمار المقددة من جهات مختلفة.

وكان من نتائج الزلزلة التي دمرت معظم المدينة سنة 1821 أن الآهلين نشطوا، وشادوا على أنقاض بيوتهم القديمة دورا ً جميلة فخمة منظرها من البحر يخلب الألباب"ا. ه.

ونتابع في ما يلي ما كتبه الرحالون الأجانب.

17- المبشر الأميركاني روبنصون

بعد أن أتخمنا القنصل الفرنسي وصمات وشتائم، ما نقلنا منها هنا أخف بكثير مما تركنا، نأتي الآن الى رحالة أجنبي آخر، قدم الى بلادنا من أميركا سنة 1838 في رحلة تبشيرية سافرة دون أي قناع، ذلكم هو أدوارد روبنصون (Edward Robinson) الذي ألف كتابا ً في " بحث توراتي عن فلسطين والأقاليم المجاورة".

قال هذا الرحالة المبشر في نظرة عامة عن بيروت:

"... في صباح السابع والعشرين من حزيران سنة 1838، تأكدنا من رفع النطاق الصحي أو اهماله وأنه لا مانع يحول دون خروجنا اذا ما أردنا التجوال، فدخلنا المدينة، أو بالحري، البساتين في الناحية الجنوبية، ونزلنا ضيوفا ً على أصدقائنا...
تقع بيروت على الساحل الشمالي الغربي من الرأس، تبعد ساعة عن أقصى حدود اللسان، وتقع مباشرة على شاطىء البحر، ولكن الميناء الصغير الذي كان معدا ً لرسو السفن قد ردم فأصبحت هذه السفن ترسو في مرفأ مفتوح.

ويحيط بالمدينة سور متراخ تعلوه أبراج. والبيوت عالية، ومبنية بالحجارة والشوارع ضيقة ومظلمة وسيئة التبليط، أو بالحري مرصوفة بحجارة كبيرة. وفي وسطها قناة تسير فيها الحيوانات، وغالبا ً ما تكون مليئة بالماء.

ومنظر المدينة أكثر حيوية من أية مدينة أخرى رأيناها على طول الساحل. زرت المدينة مرتين وشاهدت الآثار القديمة وهي: أعمدة في الصخر خارج السور الجنوبي الغربي ومقبرة صغيرة قرب الطريق الى جنوبي أحد الأبواب قرأت فيها اسم المستر "أبوت" وهو قنصل بريطاني سابق، بليني فسك المرسل، ورجل الله".

"تقع المدينة على منحدر متدرج ولذلك فالشوارع كلها تنحدر لجهة البحر، ولكن في الجنوب والشرق ترتفع الأرض بسرعة الى علو كبير، وفي هذه الناحية، أو بالحري حول المدينة كلها تتصل جنائن وبساتين الأشجار المثمرة بعضها ببعض عدا عن أشجار التوت التي لا تحصى. وأكثر هذه البساتين محاطة بسياجات من الصبير الذي يسبغ على ضواحي بيروت منظرا ً رائعا ً من الاخضرار والجمال. ولكن قد تكون التربة أقل خصبا ً، والثمار أقل لذة من تلك التي في ضواحي صيدا...".

على أن روبنصون زار بيروت في فترتين منفصلتين، فهو بعدما نقل الينا صورة عن بيروت كما رآها سنة 1838، ما لبث أن نقل الينا صورة ثانية عن هذه المدينة بعد أن عاد اليها سنة 1852، ففي هذه المرة الأخيرة يقول روبنصون.

"لم تفقد بيروت، شيئا ً منذ أن زرتها في المرة السابقة (1838) بل تقدمت كثيرا ً، لقد تعرضت لمدافع الأسطول البريطاني والنمساوي في العاشر والحادي عشر من أيلول عام 1840 فتهدمت من جراء ذلك بيوت كثيرة، ووقع العديد من الضحايا، ولكن الخراب الذي حل بها لم يلبث أن أصلح، ولم يبق من آثار هذا التعدي غير ما تركته القنابل في جدران القلعة القديمة على المرفأ".

"أما الشوارع فقد أصلحت وأزيلت الأخاديد أو القنوات من وسطها... كان عدد السكان سنة 1838 يقدر بخمسة عشر ألف نفس أما الآن (1858) فيقدرونه بضعفي ذلك وقد امتدت الشوارع الى الضواحي في الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة المسورة وملأت المساكن والحدائق وبساتين التوت الواقعة في الجنوب والجنوب الشرقي. ، ويمكن للواقف على سطح البيت الذي شغلته مطبعة المرسلين (الأميركان) أن يتمتع بمنظر المدينة وضواحيها ومن ورائها لبنان...".

وفي الحديث عن النشاط التجاري لبيروت أواسط القرن الماضي يقول روبنصون:

"ازدادت تجارة بيروت زيادة كبيرة، فقد كانت السفن الفرنسوية والنمساوية والانكليزية والسفن الشراعية العديدة التي تأتي الى المرفأ، سببا ً في ازدياد دولاب العمل وأيقظت في السكان، ولا سيما نصارى المدينة والجبل، روح التجارة والاقدام على المشاريع. وقد شجعت هذه المشاريع المؤسسات الأوروبية العديدة في الجبال لبرم الحرير".

ثم تحدث روبنصون عن حطام الآثار المبعثرة حول سور المدينة بما لا يختلف كثيرا ً عما قاله الرحالة السابقون بهذا الصدد فلا داعي لتكرار ما قيل. ا

لا أنه أشار الى ينبوع "عميق ينزل اليه بدرج في الفسحة الواقعة أمام باب المدينة الجنوبي الغربي، وهو مغطى بسطح متين حديث البناء و ويقال ان قناة قديمة تزوده بالماء اكتشفت صدفة تحت سطح الأرض منذ بضع سنوات".

18- كرنيليوس فانديك

وما دمنا قد نقلنا ما كتبه المبشر الأميركاني السائح روبنصون عن انطباعاته في بيروت ما بين سنتي 1838 – 1852 فلا بأس علينا من أن نضم اليها انطباعات زميله كرنيليوس فانديك عن الفترة نفسها تقريبا ً. ومن حسن الحظ أن أدوارد، ابن كرنيليوس المذكور، وجد بين أوراق أبيه مذكرات مكتوبة بخطه وفيها بيان ما كانت عليه بيروت ولبنان وسائر سورية وفلسطين في ذلك العصر من الأحوال العمرانية والسياسية والأدبية ولا سيما الفترة التي كان فيها ابراهيم باشا حاكما ً لهذه المنطقة الى أن أخرجته الدولة العثمانية منها سنة 1840.

واننا ندع من هذه المذكرات ما يتعلق منها بقصة النشاط التبشيري للبروتستانت في بيروت لأن ذلك لا يعنينا في الموضوع الذي أخذنا أنفسنا به ونقدم ما كتبه فانديك عن عمران بيروت وتجارتها وانعكاسات الوجود المصري فيها. يقول كرنيليوس فانديك:

"... كان من التجار في بيروت عند وصولي سنة 1840 الخواجات بلاك اخوان وهيلد ووطسن وكلبي صراف المرسلين في بيروت، ومن القناصل قنصل الانكليز نيفن مور، وقنصل أميركا ايركا جاسبار شاسود، ولهذا الأخير بيت في المينا كان المرسلون يقيمون فيه صلاة انكليزية قبل الظهر من كل أحد، وقنصل النمسا لورلا. وكان في بيروت صيدلي واحد ايطالي واسمه كرولا ومخزن تجاري في سوق القطن للبيع بالمفرق لرجل مالطي اسمه فابري. ...

وكانت القرعة العسكرية في عهد الدولة المصرية شديدة الوطأة على المسلمين وعلى الدروز أيضا ً، لأنهم كانوا ينتظمون في الجندية. وكانت العادة الجارية في التجنيد أن الحكومة اذا احتاجت الى جند، أمرت باقفال أبواب المدينة والقاء القبض على من فيها من الدروز فضلا ً عن المسلمين، ثم تنتقي منهم أصحاب السن الموافقة للجندية وتطلق الباقين. فكان المسلمون أو الدروز يسعون في النجاة من الجندية بالالتجاء الى الحماية الأجنبية، أو الخدمة في بعض القنصليات. وكانت الدول الأجنبية تحميهم، ولهذا كثر ازدحام خدم القناصل من المسلمين".

... وأما الدروز فكانوا يطلبون للجندية، حتى دروز رأس بيروت، فانهم لم يكونوا ينجون منها، لذلك كانوا يتقربون من المرسلين الأميركان باظهار النصرانية، فتنصر بعضهم وتعمدوا ولا غرض لهم من ذلك الا التخلص من الجندية، هذا هو السبب الحقيقي لتنصر الدروز في رأس بيروت. وكانوا يسمون أنفسهم متنصرة، والحقيقة غير ذلك ( الكلام لفانديك) على أن بعض أولادهم لا يزالون على النصرانية الى اليوم، وبنى لهم المرسلون مدرسة في بيت الوتوات لتعليم أولادهم.

19- هنري جسب

ولكي نسير الهوينا مع السياح الأجانب الذين تعاقبوا على زيارة بيروت ووصفها في مذكراتهم، فاننا ننقل ما كتبه المبشر هنري هريس جسب عن بيروت في كتابه الذي جعل عنوانه "53 سنة في سورية" فقد تحدث هذا السائح المبشر عن بيروت أول مقدمه اليها فقال: "أن أول مبشر بروتستنتي أميركي أتى الى بيروت وسكنها كان يسمى بليني فسك، وكان ذلك سنة 1823 وتوفي فيها سنة 1825. وأن بيروت كانت في ذلك العهد تلقب بدرة تاج آل عثمان مع أنها بلدة صغيرة، يحيط بها سور فلا تتعداه وان طولها من الشمال الى الجنوب 3 آلاف قدم، وعرضها من الشرق الى الغرب 1500 قدم، وان عدد أهلها يتراوح بين 5 الى 8 آلاف نفس، وان أسواقها ضيقة ذات اعوجاج وقذارة ولم تكن نوافذ بيوتها مزججة، والبيت الوحيد الذي كانت على نوافذه زجاج هو مسكن المستر "أبوت" أول قنصل يومئذ لانكلترا ببيروت. وكان البيروتيون يستقون الماء من الآبار، وهذا الماء بعضه عذب والبعض الآخر لا يخلو من الملوحة.

وكان السور المحيط بالبلدة مرتفعا ً من صوب البحر وفيه أبراج وتحصينات أعدت لصد القرصان من اليونان، كما أعد البرج ظاهر السور على بعد قليل من الباب الجنوبي الشرقي لصد من يريد اقتحام المدينة برا ً. وكان هذا البرج عاليا ً متينا ً يبلغ ارتفاعه 80 قدما ً".

20- المنسنيور ميسلن

انه لمن المفيد جدا ً أن يعرف أبناء زماننا كيف كانت عاصمة الجمهورية اللبنانية يوم كانت مركزا ً لولاية بيروت العثمانية وذلك في الهزيع الأخير من القرن الماضي، أي في عهد آبائنا الأقربين، وذلك من خلال ما كتبه عنها المنسنيور ميسلن (Misslin) الذي طبع رحلته عنها في باريس سنة 1876 تحت عنوان: "الأماكن المقدسة" وان هذا المبعوث الديني الكاثوليكي خص بيروت ولبنان بحوالى أربعمائة صفحة من كتابه المذكور، الأمر الذي يجعله مصدرا ً غنيا ً من مصادر التاريخ البيروتي بين يدي العصر الذي نتحدث عنه.

قال ميسلن:

... كانت شوارع بيروت وأزقتها لم تزل منذ عهد قريب، مقببة، معتمة، ذات التواءات واعوجاج وقذارة، أما اليوم فقد أجري عليها التوسيع، وقامت هناك بنايات على الطراز الأوروبي عوض البيوت القديمة، وحلت المخازن العصرية الجميلة محل الحوانيت والدكاكين العتيقة. وأنشىء رصيف واسع على البحر، وتزدحم جماهير الناس على اختلاف الألوان والأزياء والألسن على أرصفة بيروت الضيقة وشوارعها وشواطئها، وحول دور القناصل الخافقة فوقها أعلام الدول الأوروبية.

ويتحدث عن البحارة فيقول:

.. وهناك رجال من البشرة السوداء، ونصف عراة يتشاجرون متنازعين المسافرين وأمتعتهم فيحملونها على مناكبهم من الرصيف الى الزوارق الصغيرة التي تهددها أمواج البحر بالتحطيم.

ثم يقول في موضع آخر:

ورأيت الأعراب جالسين في كل مكان، يستظلون أبواب المنازل والحوانيت أو سجوفا ً مضروبة في الشوارع من جانب الى جانب، ويدخنون النارجيلة ذات الشعبتين شاخصين بانخطاف الى دخانها المسكر!

.. ورأيت المكاري اللبناني، يعتصب عمامته الضيقة، متدثرا ً بعباءته الدمشقية المنبعث من قصبها اللمعان. حاملة على معظمها زخارف الزينة والتجميل، كأنها كتابات مصرية قديمة (هيروغليفية) وأكمامها مفتوحة مسترسلة.. وأمام هذا المكاري بغاله يسوقها وئيدا ً وينتهرها بصرخات قاصفة مزعجة يرددها بين الفينة والفينة.

.. والى ذلك أيضا ً بدوي البادية في زي جاف غير مأنوس، يقود قطارا ً طويلا ً من الجمال، شاديا ً حاديا ً فوق سنام أكبر بعير منها، مزينا ً بأصداف البحر الحمراء.

وبيدي ميسلن رأيه في الزي الشرقي فيقول:

وعلى الغالب ان الزي الشرقي واسع فضفاض ومعرقل مزعج، ذو ألوان زاهية حادة، لكنه على فخامة وروعة عندما يكون نظيفا ً، وهو سراويل واسعة وسترات وقمصان وأردية، وعمائم وزنانير، يلبسيها الرجل كلها في آن واحد!. فيعبث بها الهواء على كيفه، وتنزل حتى الأرض في طيات وثنايا ثقيلة!

ثم ان ميسلن أراد أن يعطي مواطنيه في أوروبا فكرة عن الفوارق الشكلية التي يتميز بها أبناء المذاهب الدينية بعضهم من بعض من خلال أزيائهم وملابسهم، فيقول:

أما الدروز، فلباسهم وشاح دون أكمام، ذو أميال وخطوط بيضاء وسوداء يلبسون فوقه قميصا ً ويتمنطقون بزنار له أهداب يضبطون أو يمسكون به محبرة معدنية (دواة نحاسية) مع خنجر وغدارة (مسدس) وقلما يترك الدرزي بارودته الطويلة التي يتقلدها بحمالة لها، ينتعلون أحذية حمراء ذات رؤوس أمامية مرفوعة ومروسة وشكل هذه الأحذية يستعمله الجميع في سورية.

أما الموارنة فيتميزون في ظاهرهم عن الدروز والمتاولة، فيحتفظون بالثوب فقط بينما أولئك يرسلون اللحية كاملة على مثال سائر المسلمين.

أما النساء فيتحجبن عند الخروج بزي على غاية من الاستهجان بليغة، ولا يرضين أن يحجبن نصف الوجه فقط كما تفعل نساء اسطمبول، بل يحجبنه كله بازار من نسيج هو في الغالب أسود اللون معقود على الرأس عقدا ً محكما ً، ويطرحن فوقه نسيجا ً أبيض يجلببهن من الرأس الى القدمين، كأنهن في ذلك أشباح وأطياف، ويتعثرن من سيرهن البطيء بذلك الحجاب الأسود وبأحذيتهن المزدوجة، فيزدن المشهد غرابة، أو يبدين للعيان خيالات أو وطاويط!

وعلى مثال المسلمات هذا، تظهر المسيحيات أيضا ً في الشوارع، ما عدا نساء الافرنج. ويقال ان هذه المجاراة هي خصيصا ً لاستجلاب احترام الأتراك (أي المسلمين) والنساء الأوروبيات يخرجن دوما ً سافرات!

على أن نساء بيروت، يلبسن تحت الزي الخارجي المضحك بغرابته وعدم هندامه، ثيابا ً فاخرة مفوفة، معممات الرؤوس بكياسة فائقة، وعليها قبعات من الذهب المطرز بالنقوش، وغدائر من الشعور الكثيفة، تزينها سلاسل طويلة من النقود الذهبية ويرتدين أيضا ً صدرية مطرزة باتقان رائع ومفتوحة على الصدر وسراويل فضفاضة من الحرير، ويتمنطقن بزنانير ذات ألوان زاهية حادة متنوعة، وينتعلن خفافا ً حمراء أو صفراء.

هذا هو الزي المألوف في الطبقات الميسورة والغنية.

بعد هذا الاسترسال العجيب في رسم صورة مثيرة لطبقات المجتمع البيروتي لا تكاد تقترب من الواقع حتى تبتعد عنه، يعود الأب ميسلن الى طبيعته الانسانية فيترك جانبا ً قلم الكاهن الذي يعيش دهره تحت القباء الأسود ويتناول قلما ً آخر هو أقرب الى أن يكون قلم شاعر حساس ويغمس ريشته في مداد من المشاعر المتأثرة بجمال بيروت برها وبحرها وجبلها.. ونراه يقول:

"على أبواب بيروت، وفي ساحاتها وهضابها الصغيرة الفاصلة اياها عن تلك الضواحي والجنائن، وعن تلك الباقة الخضراء من البنايات الحديثة، وأشجار النخيل والصبير والزيتون والتوت والجميز والخرنوب، هناك تنتشر خيام خضراء عديدة، يدير مشهدها في الخلد أن المدينة في حصار، وهذه الخيام مضروبة لحماية عسكرية معسكرة تحت تلك السماء الرائعة مفضلة الهواء المعطر بأريج الليمون على جو الثكنة الموبوء بالعفونة والنتانة!

.. واذا بدت بيروت أجمل مدينة على شواطىء لبنان وسورية، فهي تجاوب المقترب منها على ما يعهد هو في داخلية المدن المنظمة، ومع ذلك فهي عند النظرة الأولى اليها من الخليج حيالها، تتراءى راقدة برخاوة النعاس على هضبة ممعنة في الروعة والجمال كأنها تعانق الأحلام.

... وبيروت في اكليل من البيوت المجهزة بالقناطر المدورة ذات البيكارين، ومن الأسهم والسطوح والأطلال والأسوار المفرضة، وقباب الكنائس ومآذن الجوامع، وأشجار الصنوبر الباسقة، ينتزع البحر، أجمل البحار، نظراتها الممعنة أي امعان في التأمل والتفكير، ويغمرها بحر من النور كأنها الأوقيانوس!

أجل، ذلك هو العجب العجاب! ".

بيروت في أوائل القرن العشرين بقلم سائح أميركي

فيما سبق كنا في جولة دهرية برفقة الرحالين الأجانب الذين استقبلتهم بيروت عبر الأجيال والسنين حجاجا ً أو سياحا ً أو مغامرين. وليس من شك في أن ما رأيناه في مدينتنا عبر هذه الجولة غاب في أعماق التاريخ وأصبح الحديث عنه رهين أوراق المذكرات والكتب.

أما الآن فان جولتنا ستكون مع ذلك السائح الأميركاني الذي قذفته رياح الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) الى شواطئنا الدافئة. وما ان حطت به عصا الترحال في أفيائنا حتى غمس ريشته في ما وجد عليه بيروت وأهلها وراح ينقل هذه المشاهدات الى أهله وذويه في أميركا بالأسلوب الأميركاني دون زيادة ولا نقصان. وأنا أنقل هذه الرسالة الأميركانية عن جريدة المعرض في عددها الصادر سنة 1921 ورقمه 20. وفي الصفحة الأولى من هذا العدد قالت المعرض تحت عنوان: بيروت في المكبرة:

"زار أحد كبار الأميركيين بيروت ومكث فيها مدة ثم عن له أن يكتب الى والده الرسالة التالية:

سيدي،

طلبت الي أن أكتب اليك شيئا ً من ملاحظاتي الشخصية عن أحوال بيروت، وها أنا ملب طلبك بعد تردد طويل لأن بيروت والحق يقال مدينة مملوءة بالمتناقضات المعجبات!

أخلاق أهل بيروت
أما أهلها فأصحاب لطف وذوق، وكما يقال عندهم، أهل معشر وأصحاب كيف، مصروفهم أكثر من مدخولهم، وما ذلك عن عدم ادراك عندهم للأحوال العمومية، بل لأن مصائب الحرب علمتهم أن الانسان لا يأخذ معه شيئا ً من الأموال التي يجمعها، وهم يعتقدون، ولا أدري من أين جاء لهم هذا الاعتقاد، أن الله رفض تداول الورق النقدي في كل المناطق التابعة لحكمه أو الواقعة تحت انتدابه في السماء، لذلك تراهم يصرفون ضعف ما يدخل عليهم وهم غير سائلين!

سألت كثيرا ً لأرى في هذه العاصمة ناديا ً أدبيا ً يختلف اليه الأدباء بين شبان وشابات أوقات الفراغ فلم يجاوبني أحد على سؤالي هذا، بل كانوا يضحكون مني ويقولون: ألا تكفي القهوات والمتنزهات والكلوبات الموجودة في بيروت حتى تسأل عن ناد جديد؟ ففهمت من جواباتهم هذه أنهم لا يحبون أن يفرقوا بين كلوب العرق ونادى الأدب.

وهم يفسرون آيات الكتاب المقدس على كيفهم.

والذي عجبت له كثيرا ً، هو أن أهالي هذه العاصمة قد تجرأوا وغيروا آية الكتاب المقدس في آخر فصل التكوين، فبدلا ً من أن يقولوا، "وفي اليوم السابع استراح" حذفوا هذه الجملة وكتبوا مكانها " وفي يوم الجمعة والسبت والأحد استراح"! .. عدا أيام الأعياد التي لا يمر أسبوع دون أن يمر فيه عيدان.

وقد رأيت أصحاب القهوات والتنزهات مسرورين من هذه الحركة الدينية في بيروت، وقد نذروا الشموع والبخور للأولياء والقديسين وللقديسات الصالحات الهاما ً لأهل بيروت بالتشبث في اكثارهم من أيام البطالة، لأن محلات العمل والشغل تفرغ في هذه الأيام وتمتلىء مكانها محلات اللهو والكيف، وهذا ما يسمونه يوم راحة في هذه البلاد.

ومن الغريب أن أصحاب هذه البلاد أهل دين وعصبية دينية في أقوالهم ومظاهرهم وأحقادهم، وأما في الكنائس والجوامع والمعابد فهم من أكبر الملحدين ولا يؤمنون بشيء.

بيروت قبيل الحرب العالمية الثانية أي سنة 1930

لقد كنت أحب أن أجعل من رسالة "ابن العم سام" الأميركي خاتمة لطوافي في أزقة بيروت وحديثي عن البيروتيين، بيد أني وجدت بين أوراقي الخاصة مقالة كان قد كتبها المرحوم نجيب الريس صاحب القبس الدمشقية. تناول فيها بيروت من خلال انطباعاته عنها أناء الليل وأطراف النهار، وجعلها كمدينة النحاس في حكاية ألف ليلة.. وليلة. فأحببت أن أجعل من مقالة المرحوم الريس، على الرغم من أن كاتبها لم يكن أجنبيا ً ولا من بين الرحالين العاديين، مسك الختام لهذا الحديث الطويل.

قال المرحوم ابو رياض نجيب الريس (القبس في 16 أيار سنة 1930- دمشق):

يعرف الذين قرأوا ألف ليلة وليلة تلك الحكاية العجيبة "حكاية مدينة النحاس" وما فيها من عجائب ومتناقضات: قاعات مملوءة بصفائح الذهب، وكيمان اللؤلؤ، الى جانبها أقبية مظلمة تكدست فيها جثث الموتى وهناك على يمين المدخل واد احتلته الأفاعي يقوم على مقربة منه قصر تنبعث من نوافذه الأنوار، وتسمع من فرجاته أصوات الضحك والمرح، فيه نساء راقصات، ورجال سكارى، يتمتعون بأجمل ما في الحياة من ملذات ولهو. بينما يجاور هؤلاء القوم جماعة فقراء يأكلون قشور الفاكهة وفضلات الطعام ويبكون الليل بطوله، ولكنهم يضحكون النهار كأن لم يكن في نفوسهم من آلام الليل ما يذهب بمسرات النهار...

ان الذين قرأوا هذه القصة أو الأسطورة لا يلبثون أن يتمثلوها أمامهم ويروا أنفسهم في "مدينة النحاس" عندما يقيمون في بيروت بضعة أيام، ويتعرفون الى حياتها في الليل والنهار، فهناك فعلا ً قاعات مملوءة بالذهب، الى جانبها وديان مفعمة بجثث الموتى... هذه هي بيروت في الليل بل هذه هي حياتها المرحة الهانئة تبدأ منذ الساعة السادسة بعد الظهر الى الساعة الرابعة بعد منتصف الليل. أما في النهار فالويل لبيروت من النهار: سوق تجارية مخيفة ليس فيها غير حوادث الافلاس المتتالية. أما المحاكم فقد غصت قاعاتها بالمتداعين: هذا بائع طرابيش يعلن افلاسه على خمسة وعشرين ألف ليرة عثمانية ذهبا ً يطل على دائنيه من نافذة غرفة التوقيف يساومهم ويساومونه على دفع الدين ثلاثين في المئة ثم يتدخل السنديك فيرفع النسبة الى الخمسين. وهناك كتلة من المحامين بأروابهم السوداء الجميلة يتحدثون عن محلات تجارية كبرى أفلست أو طلبت التصفية القضائية وأن فلانا ً عرض مايته ستينا ً فرفض الدائنون وقدم أملاكه ضمانة على الدفع فوضعت القضية تحت البحث.

ثم تغادر قصر العدلية الى بنكو دي روما أو غيره من البنوك الأخرى فتجد المدير أو المفتش في خلوة مع رجال الاستخبارات، ولكن هؤلاء غير رجال الاستخبارات السياسية: انهم جواسيس على السوق وعلى سيرة التجار يقدمون له التقارير الشفوية عن هذا المحل وعن ذاك، فلان تدل ظواهره على أنه يهيىء طابقه وينظم دفاتره استعداد لطلب التصفية أو التوقف عن الدفع، والآخر تنطق أسارير وجهه على أنه مرتبك ولكن أملاكه تسد العجز هذا اذا لم يكن عليه استحقاق لمعامل أوروبا...

هكذا ينقضي النهار في بيروت: أحاديث كلها افلاسات ونكبات... ولكن عندما تطل الساعة السابعة تشهد أسراب السيارات تدفع مقدماتها مؤخراتها، وتشهد قاعات الرقص في الميرامار والرستوران كأنها بعض مشاهد مدينة النحاس، واذا بهذا التاجر الذي أعلن افلاسه في النهار لا يخجل أن ينحني في الليل ناحية من قاعة المرقص وأمامه مائدة صفت فوقها أقداح الشمبانيا والى يمينه بعض أصدقائه وندمائه والى يساره هذه "الأرتيست" المجرية أو الرومانية فينسى في جمال عنقها وبريق عينيها عشرات " الكمبيالات" التي رفض دفعها بوقاحة قائلاً لقواص البنوك: أرسلوها الى البروتستو.. الى جهنم!..
 0  0  313

جميع الحقوق محفوظة - يا بيروت - 2017

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

Developed By IDC sarl