• ×
الجمعة 24 نوفمبر 2017 | 04:18 صباحاً
يا بيروت

بيروت في التاريخ و الحضارة و العمران

عندما يتناول الموضوع الحديث عن بيروت كما رآها الرحالون الأجانب، فان أول ما يتبادر الى الذهن، ما جاء في هذا الصدد عبر المذكرات التي دونها هؤلاء الرحالين أو الحجاج النصارى الذين مروا في هذه المدينة وهم في طريقهم الى البلاد المقدسة في فلسطين، أقالها الله من عثرتها وردها لأهلها العرب، دون أن تكون هي بالذات مقصدا ً لهم أو غاية في ترحالهم. وليس من ريب في أن هذا الاتجاه الذهني له ما يبرره في الواقع، لأن ما تركه لنا هؤلاء السياح الذين مروا ببلدنا رحالين يرضون فضولهم أو حجاجا ً يمارسون تقواهم، يعتبر في الواقع البصمات الأكثر دلالة لانطبعات الأجانب عن هذا البلد، لا سيما في الفترات الزمنية التي تعاقبت عليه بعد التطورات السياسية والعسكرية والاجتماعية على أثر دخوله في جملة العالم الاسلامي نتيجة للفتوحات العربية في القرن السابع للميلاد.

بيد أنه لا بد من القول بأن الذي حصل بالفعل، هو أن بيروت استطاعت أن تلفت أنظار الأجانب اليها منذ القدم، وحملت عددا ً من رحاليهم على أن يجعلوها ضمن برنامج سياحتهم الشرقية، حتى اذا قفلوا عائدين الى مواطنهم لم يبخلوا عليها ببضع صفحات من مذكراتهم سجلوا فيها الأثر الذي تركته هذه المدينة في نفوسهم.

وقد حدثنا الكاتب "ديمتري نقولا" عن عدد من الرحالة القدماء، زاروا فينيقيا، وبيروت منها طبعا ً، وكتبوا عنها أمثال:

بلينوس، هيرودوت، سترابون. أوسابيوس، ناشينوس، يوسانياس، فيلوستراتوس، لوشيانو، ديونسيوس اليوناني وغيرهم.

ولعل أول ما طربت له أسماع البيروتيين من الكلمات التي قالها الرحالة الأجانب عن مدينتهم هي تلك التي دونها الشاعر اليوناني القديم "ننوز" الذي عرفته بيروت زائرا ً بارزا ً حوالى القرن الرابع قبل الميلاد.

فلقد جاء هذا الشاعر الى بيروت فبهره ما وجده في طبيعتها من تناغم وانسجام حيث يتلاقى السهل بالجبل بالبحر، كما يتلاقى مجذاف البحار بمحراث الفلاح بقيثارة الراعي، كل ذلك في جو يعبق بالفتنة والسحر يكمل بعضه بعضا ً دون أي نشاز. قال ننوز:

"... في هذا المكان، ينفخ راعي البقر شبابته على شاطىء البحر المرمل، فيجتمع النوتي كما يجتمع راعي الماعز. والصياد اذ يجر شبكته من بين المياه يخط الممرات ثلمه فيصل به الى ملقى المجاذيف التي تشق الأمواج. وفي وسط غابة قرب البحر، يجتمع الملاحون فيتحادثون مع الحطابين. بينما يتراجع هدير المياه مع خوار البقر وخفيف أوراق الشجر!.. انه مشهد الجبل والأشجار والملاحة والغابة!...".

على أنه، اذا كانت بيروت الفينيقية قد أخذت بلب هذا الشاعر اليوناني وسحرته بتناغمها المتكامل ما بين هدير الموج وحفيف أوراق الشجر وأغاني قيثارة الراعي، ان بيروت هذه لم تستطع أن تنتزع من شباة سائح يوناني معاصر لننوز يدعى سيلاكس (Sylax) الا كلمات ثلاثا ً لم يزد عليهن حرفا ً واحدا ً..

فلقد زار "سيلاكس" المذكور فينيقية ابان القرن الرابع قبل الميلاد وتجول في مدنها الساحلية واجتاز بيروت، ولما كتب مذكراته عن سياحته وجاء على ذكر بيروت وصفها بهاتين الكلمتين: "ان بيروت: مدينة ومرفأ" ثم لم ينبس بعد عن مدينتنا ببنت شفة!...

ولقد حافظت بيروت على سمعتها كمدينة نظيفة وجميلة وجذابة على مر العصور. وها نحن نجد "ليبانوس" الخطيب الأنطاكي في أوائل الزمان الذي ظهر فيه النبي عيسى بن مريم عليه السلام يقول: "بيروت مدينة فينيقيا الفائقة الجمال والفائقة الأناقة والكلية الكمال".

بيروت على أثر الزلزال سنة 556

ان الشاعر الأندلسي الذي بكى المجد العربي وهو يتقهقر تحت وطأة تقدم الاسبان وقال:

لكل شيء اذا ما تم نقصان فلا يغرن بطيب العيش انسان
لكأنه عنى بهذا القول أيضا ً بيروت التي ما ان بلغت أوج مجدها وذروة اغرائها واكتمال أناقتها في أواسط القرن السادس للميلاد حتى فاجأتها النازلة الكبرى سنة 556 بالزلزال القاتل الذي أحال صروحها أنقاضا ً وسكانها أشلاء وترابها رمادا ً!...

"فبينما هذه المدينة سادرة في رفاهيتها، مطمئنة الى ما انتهت اليه من استقرار ونضارة، وارتفاع كعبها فيما احتوته من مؤسسات الحقوق والعلوم وسائر ألوان المعرفة، وبينما هي تتابع سبيلها عارجة بخطى ثابتة في مراقي الخلود، رافلة بحلل سابغة من المنشآت الرائعة، والمباني السامقة، والنشاط الذي لا يعرف الملل ولا الفتور... بينما بيروت كذلك، اذا بالأرض تفور كالتنور وتدمير مضطربة تحت الأقدام المطمئنة لتجعل من ظهرها بطنا ً ومن بطنها ظهرا ً، وأهلها، أو ما تبقى من أهلها، فان الله أبدلهم الحزن المقيم بالفرح العميم، حتى ليحسب من يراها ويراهم، بعد المصاب والجلل والخطب المهول، كأنها وكأنهم لم يغن أي منهما بالأمس.

وكأن لم يكن بين الحجون الى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر

والنكبات اذا عرفت سبيلها الى قوم مرة فانها ما تلبث أن تعيد عليهم الكرة، وهكذا توالت في حينها على بيروت الدوائر وتواطأت على سكانها دواعي الأشجان وألوان المتاعب، فانها ما كادت تنهض مما حاق بها من عثرة، وتمسح عن كيانها ما أرهقه من قترة، حتى عادت الى ما هو أشد نكالا ً وأبلغ في الايلام عذابا ً.

شاعر سائح يبكي بيروت التي حطمتها الزلازل سنة 566

في تلك الأيام الحوالك، قدم الى بيروت المحطمة زائرا ً وشائحا ً الشاعر اليوناني "أغاثيوس" فلما أن رأى "ظئر العلوم وأم الشرائع ومرضعة الفقه" صريعة تحت وطأة الزلازل المتعاقبة المميتة تنعي أبناءها ومن بناها، لم يتمالك نفسه أن يقول متأثرا ً ومتحسرا ً:

"... ذوت زهرة فينيقيا مدينة بيروت بمصاب الزلزال الرهيب، وزال عنها جمالها الرائع، ودكت أبنيتها الشامخة، البديعة المنظر، المحكمة الهنداس، فتقوضت عن آخرها ولم يبق منها سوى الردم والخراب، وهلك تحت أنقاضها جمع غفير من الأهالي والأجانب المستوطنين فيها، وأذاقت كأس المنية، نخبة من الشبان المتقاطرين اليها لدرس الحقوق في معاهدها الرومانية الذائعة الصيت، التي كانت لها فخرا ً ولمفرقها تاجا ً، تباهي به أعظم المدن أخواتها!...".

وتابع هذا السائح الشاعر المتفجع نفثاته الحرى على بيروت، فنظم على لسانها رائعة شعرية مؤثرة قال فيها:

".. واأسفاه، اني لمن أشأم المدن وأسوئها حالا ً، رأيت جثث أبنائي متراكمة في شوارعي وساحاتي مرتين، في ظلال تسع سنوات رماني اله النار "فولكان" بسهامه المتقدة بعد أن صدمني اله البحر "نبتون" بتياره الجارف! واأسفاه على بهائي الرائع، كيف طمسه الدهر، وأحالني الى رماد!.. فيا عابري الطريق، ابكوا لسوء حظي، واندبوا بيروت المضمحلة!.."

ومن أواسط القرن السادس للميلاد حتى هزيعه الأخير سنة 600 وآثار الزلزال كانت ما تزال ماثلة على ملامح المدينة المتردية في أسمال الدمار والحداد، الا أن ذلك لم يمنع أحد السياح الذي مر بها يومئذ، واسمه "انطونين" المعروف بالشهيد من أن يصفها بالمدينة "الفائقة الجمال" فقد تحدث عنها عذا السائح يومها بقوله:

"... وصلنا الى المدينة "الفائقة الجمال" بيروت، التي فيها كانت قبل هذه السنين تلك المدرسة الحقوقية الذائعة الصيت... وهي التي استولى عليها الآن الخراب"..

وفي هذا الوقت، أي في أواخر القرن السادس للميلاد، زار سورية السائح البليزنسي الشهير (L'Aronyme de Plaisance) وكتب انطباعاته عن سياحته هذه فقال: "... سرنا من أنتارادوس (طرطوس) ومنها انتقلنا الى تيرييريس (أنفة) فالى بيبلوس (جبيل) بعد أن تركنا طرابلس التي وجدناها خربة بسبب الزلازل التي حصلت على عهد الامبراطور يوستنيانوس، وجميعها تقوضت على سكانها... ثم وصلنا الى بيريت (بيروت) المدينة الفائقة الجمال التي ازدهرت فيها مؤخرا ً الدروس العلمية، وهي أيضا ً كان الزلزال قد خربها".

بيروت بعد العصور الوسطى

على أثر دخول بيروت في سيادة العرب المسلمين، مر عليها حين من الدهر، دون أن تطأها قدم لسائح أجنبي نظرا ً لطبيعة الظروف السياسية والعسكرية التي عاشتها المنطقة كلها لفترة طويلة امتدت لعشرات بل مئات السنين. ولسنا نعرف أحدا ً من السياح الأجانب، غير المسلمين، زارها في ذلك الحين.

وعلى الرغم من أن بعض الكتاب المتأخرين من الفرنجة الذين أحصتهم مجلة "التاريخ" الانكليزية تناولوا موضوع الوفد النصراني الأوروبي الذي زعم أنه أرسل من قبل الامبراطور الألماني شارلمان الى بلاط الخليفة العباسي هرون الرشيد، بالرغم من ذلك، فان التحقيق التاريخي لا يساعدنا على التأكد من أن بيروت أو غيرها من المدن السورية عرفت، جديا ً، زوارا ً أو سياحا ً أجانب. لذلك فاننا نسمح لأنفسنا بأن نتجاوز هذه الفترة الزمنية الطويلة وأن نعتبرها عقيمة من الرحالين على وجه العموم.

بيروت بقلم السائح خسرو الفارسي

على أن هذا الصمت السياحي الطويل، اخترقه صرير قلم، أقبل على بيروت وسائر بلاد الشام من جهة ايران. ذلك أن أحد الرحالين الفرس، واسمه ناصر خسرو القبادياني المروروزي سافر من بلاده سنة 437 هجرية (1035 ميلادية) وترك لنا وصفا ً طريفا ً للبلاد التي مر بها في سورية وفلسطين ومصر وبلاد العرب، خلال رحلة دامت حوالى سبع سنين، اذ انتهت سنة 442ه. وقد علق هذا الرحالة على ما شاهده أثناء تطوافه باللغة الفارسية في أوراق دعاها "كتاب السفر، أو الرحلة (سفرنامه) وقد رسم ما رآه بقلمه من الأماكن المقدسة كالحرمين الشريفين والحرم القدسي، فك الله أسره وأعاده الى المسلمين، وقام بترجمة هذه الرحلة الى الفرنسية العلامة شيفر (Charles Shifer) من علماء المشرقيات الفرنسيين سنة 1881م على نفقة مدرسة اللغات الشرقية بباريس مشفوعة برسم للمؤلف الفارسي الذي رسمه بقلمه كذلك.

ومما قاله خسرو عن بيروت في كتابه المذكور:

"... وسرنا من جبيل الى بيروت. وقد رأيت فيها قوسا ً من حجر والطريق تحته، وقدرت أن علوه خمسون كزا ً وسمكه بحيث لا يستطيع رجلان أن يحيطا به الا بصعوبة. وقد بني على هذه الدعائم حنايا من الصخر الضخم لا تلتئم أجزاؤها بملاط ولا بجبس. وقد قام القوس الأعظم في الوسط. ويزيد علوه على الحنايا خمسين أرشا. وقدرت أن علو كل حجر من الحجارة التي يتألف منها سبعة أرشات في عرض أربعة، ووزنه نحو سبعة آلاف من وقد نقشت جميع هذه الأحجار. وزينت بنقوش بديعة قلما يشاهد مثلها مثيل حتى في الصور على الخشب. ولم يبق من بناء في جوار هذا المصنع. وقد سألت عن ذلك فأجبت أن هذا البناء كان بناء حديقة فرعون. وأن تاريخه قديم للغاية. وجميع السهل المجاور له تغشاه عمد وسوار وتيجان منقوشة من الرخام النحيت. ومنه المد ور والمربع والمسدس والمثمن. والحجر من الصلابة بحيث لا يعمل فيه الحديد. وليس في الجوار من جبل حتى يقال انه استخرج هذا الحجر منه. وهناك حجر آخر يظهر أنه صنعي. والحديد لا يفله أيضا ً..." ا.ه.

وانه ليغلب على ظني أن القوس وما حوله من الأعمدة مما أشار اليه خسرو هو أحد أبواب مدينة بيروت القديمة الذي اشتهر عند أهل القرن الماضي باسم "باب الدركة" وكان يقوم قرب الأعمدة الموجودة اليوم في رأس درج خان البيض بمحاذاة شارع الأمير بشير شمالي اللعازارية. وأما باقي الأعمدة التي صادفها السائح خسرو فقد أشار اليها صالح بن يحيى في كتابه "تاريخ بيروت" حيث قال:

"... بيروت مدينة قديمة جدا ً يستدل على قدمها من عتق سورها، ومع عتقه فهو محدث عليها، اتخذه الأقدمون من خرائب كانت متقدمة أقدم بمدد كثيرة لأننا نجد في السور المذكور قواعد من الرخام وأعمدة كثيرة من الحجر المانع.." الى أن يقول: "... ومما يستدل على كبر بيروت وسعتها ما يجده الناس في الحدائق بظاهرها من الرخام وآثار العمائر القديمة ما طوله قريب من ميلين..." ا. ه.

بيروت والسياح في أعقاب الحروب الصليبية

ليس لنا في هذا الفصل أن تنحدث عن المؤلفات التي دونها كتاب الفرنجة ممن كانوا مقيمين في الشرق العربي خلال الحروب الصليبية، لأن مثل هذه الكتابات لا تحمل في الواقع ذلك اللون من الانطباعات التي تتكون عادة لدى السياح الذين يقضون مدة من الزمن في بلادنا ثم يغادرونها قافلين الى ديارهم الأصلية في الغرب. فالكتاب الأجانب الذين كانوا خلال الاحتلال الصليبي في الشرق انما تتميز كتاباتهم بالطابع التاريخي البحت، وهذا ليس لنا أن نعرض له هنا، وانما يعنينا الآن أولئك الرحالون الغربيون الذين قدموا الى الشرق بدوافع. أخرى ليس لها من قريب أو بعيد علاقة بالأغراض العسكرية التي كانت وراء الحركات الصليبية وما اليها من أهداف استعمارية.

فليس لنا اذن أن نستعرض الآن ما سطره أمثال غليوم المعروف باسم غاليلوس الصوري لأنه شغل في وقت من الأوقات منصب مطران صور.

اذن فنحن نتخطى العهد الصليبي في بيروت لنقف قليلا ً عند العهد الذي تلاه، وهو العهد المملوكي، وهو العهد الذي شهدت فيه هذه المدينة نشاطا ً ملحوظا ً للرحالين الغربيين الذين كانوا يقصدون حينئذ الأماكن المقدسة في فلسطين، وكانت بيروت في جملة المدن التي مروا بها أثناء طريقهم الى زيارة موطن النبي عيسى بن مريم عليه السلام، في القدس الشريف وبيت لحم ومدينة الناصرة.

بيروت سنة 1212 ميلادية

وقبل أن ننتقل الى بيروت وسياحها في العهد المملوكي، فاننا نقف قليلا ً عند أحد قصور بيروت الصليبية الذي كان يطل على البحر المحاذي للمدينة من جهتها الشمالية الشرقية لننقل عنه صورة قلمية زاهية تركها لنا السائح أولبريد أولدنبرغ الذي زاره بنفسه سنة 1212.

قال أولدنبرغ:

".. يمنع البحر ثغر بيروت من جهتها السفلى، مع ما هنالك من الصخور العالية، وتحجبها من الجهة الأخرى خنادق مبلطة تحت حراسة سور متين فيهما عدة أبراج غاية في الشدة تبطل كل الضربات التي يكيلها العدو... وكانت هذه الاستحكامات قد استوجبت أشغالا ً طويلة، لا سيما وأن نقوشها الداخلية بلغت النهاية في الحسن والاتقان".

وتابع أولدنبرغ وصف غرف هذا القصر بريشته القلمية البارعة وأنشأ يقول:

"انها كانت مرصوفة بالفسيفساء التي تمثل مياها ً تتجعد بنسيم الريح، فيتعجب الماشي كيف لا تغوص رجله في الرمال التي في قعر المياه. وكانت جدران الغرف مزدانة بقطع الرخام المنقوش على هيئة تأخذ بالأبصار، وقد دهنت قبتها بالصباغ الأزرق على شكل السماء، وفي وسط الغرفة بركة من الرخام الملون الصقيل، وينفذ الى داخلها نسيم عليل من نوافذها المتعددة فيرطب حرارتها.. الخ" ا.ه.

بيروت في أواخر الاحتلال الصليبي

وفي سنة 1170 ميلادية حضر الى بلادنا رحالة ألماني يدعى: ديودوريتش. وكان هذا أول كاتب أوروبي في القرون الوسطى عني بوصف فلسطين وصفا ً عاما ً قبل أن ينتقل الى الأجزاء والمدن. وقد وصف بيروت في زمانه بقوله:

"... ميناؤها جميل أتقنته يد الصانع الماهر، يحيط بالمدينة كالهلال. يقوم في كل من طرفيه برج تسحب بينهما سلسلة تحمي السفن الموجودة في الميناء في الليل".

وبعد ديودوريتش بحوالى عقد ونصف العقد (1185م) قبيل الجلاء الصليبي الأول عن الشرق زار بيروت راهب كريتي ووضع عن رحلته هذه كتابا ً فيه وصف مختصر لسورية، واسم هذا الراهب فوكاس، وأسلوب فوكاس في وصفه أسلوب أدبي رائع. فالمعلومات التي حصل عليها ليست جديدة. ولكن صورة كثيرة الألوان واضحة الخطوط، على نحو ما يرى في وصفه لأنطاكية ودفنه (الحربية اليوم) وينابيع لبنان وميناء بيروت ونواحي عكة الكثيرة الأمراض. ومما قاله فوكاس عن بيروت سنة 1185 أنها "مدينة غنية وحصينة وكبيرة ومزدحمة بالسكان".

رحالون أجانب في العهد المملوكي

وقبل أن نأتي على بعض المقتطفات من انطباعات الرحالين الغربيين عن مدينة بيروت، فاننا نقدم بين يدي هذه المقتطفات طائفة من أسماء رحالين أجانب عرفتهم بيروت خلال فترات مختلفة من العهد المملوكي الذي مر عليها بين العهدين الصليبي والعثماني.

ولسوف نرى أن أغلب هؤلاء الرحالين كانوا من التابعية الايطالية كما هو ظاهر فيما يلي:

1- نيقولا بوجي بونسي

الرحالة الايطالي التوسكاني، نيقولا بوجي بونسي Nicolas Bogi Bonsi هبط الشرق الأدنى في سنة 1347 م وزار سورية ولبنان وفلسطين ومصر وغادر الأخيرة سنة 1349م. وكانت عنايته متجهة للاهتمام بالآثار والكنائس: أشكالها والقائمين عليها وما الى ذلك من أخبار. ولم ينس الاشادة بحسن معاملة ترجمانه المسلم برغم أن هذا الترجمان كان يتبع تعاليم محمد على حد قوله.

2- لينوردو فريسكوبالدي

الرحالة الايطالي الآخر كان من فلورنسة وهو لينوردو فريسكوبالدي (Leonordo Frescobaldi) وذلك سنة 1384م. ومعلومات هذا الرحالة عن النصارى في الشرق والكنائس التي زارها، على الرغم مما هي عليه من ايجاز ذات أهمية لدراسي الشرق الأدنى في القرن الرابع عشر الميلادي.

3- برتراندون دو لا بروكيه

الرحالة الفرنسي، برتراندون دو لا بروكيه، وقد كانت سياحته الى بلاد الشرق سنة 1432م دونه هذا الرحالة عن بلادنا قيمة كبيرة من الناحيتين التاريخية والجغرافية، بسبب ما تشتمل عليه من وصف للمدن والموانىء التي مر بها. كما أن رحلته تلقي ضوءا ً على حياة البيروتيين بكشف أوضاعهم الاجتماعية وتقاليدهم الدينية في القرن الخامس عشر للميلاد.

يحدثنا بروكيه في رحلته عن مدينة بيروت فيقول:

"... فقد واصلنا السفر الى بيروت ومررنا في طريقنا اليها بصور... وكانت مدينة بيروت فيما مضى أعظم شأنا ً، لكن ميناءها صالح للتجارة ومياهه عميقة، والسفن التي تؤمه تأمن فيه من الخطر. ويشاهد على بعض أطرافه بقايا قلعة حصينة كانت قائمة فيما مضى، أما الآن فهي خرائب"..

ثم يذكر بروكيه في رحلته أن بيروت " كانت في القرن الخامس عشر (الميلادي) ميناء دمشق وملتقى التجار من مختلف الجنسيات، وكان الناس يقصدونها للاستجمام (كما هي الحال في أيامنا) على أن سكانها أقل عددا ً مما كانوا عليه أيام الصليبيين...".

واهتم بروكيه بالمقذوفات النارية (الأسهم التي ما زال البيروتيون يستعملونها في عيد المولد حتى اليوم) مما كان أهل بيروت يطلقونه في الجو احتفالا ً بالعيد، فتحرى عن صانعي هذه المقذوفات وعن طريقة صنعها، وألح على الصانع أن يوقفه على طريقة صنعها وقدم له رشوة من أجل الوصول الى غرضه فأفلح واطلع على السر وأخذ معه الى أوروبا نماذج من هذه المقذوفات التي رآها لأول مرة في حياته.

قال بروكيه بتفصيل ما تقدم:

"رأيت المسلمين يحتفلون بعيدهم على طريقتهم التقليدية. بدأ الاحتفال مساء ً عند الغروب فأخذت جماعاتهم تسير هنا وهناك فرحة بالعيد، تهزج بالأناشيد، وأخذت مدافع القلعة، تطلق قذائفها. وأخذ الناس يطلقون عاليا ً في الفضاء صواريخ يفوق حجم الواحد منها حجم أكبر نافوس عرفته، وقد أخبرت أنهم يستعملونها أيضا ً لاشعال النار في أشرعة سفن أعدائهم وهي في عرض البحر. ويبدو لي أنها تصلح لحرق المعسكرات والقرى المؤلفة من بيوت خشبية ولبث الذعر بين خيول الأعداء في الحرب، وذلك لسهولة صنعها ويسر تكاليفها.

ولما كنت شديد الرغبة في الوقوف على سر هذه المقذوفات، فقد أرسلت أحد خدم مضيفي الى واحد ممن يصنعونها، يطلب منه أن يوقفني على طريقة تركيبها، فاعتذر بأنه لا يجرؤ على ذلك لما يكتنف مثل هذا العمل من مخاطر اذا افتضح الأمر. غير أنه لما كان العربي لا يحجم عن فعل أي شيء اذا دفع له المال (كذا) فقد أطلعني على السر بعدما دفعت له "دوكة" ذهبت بمخاوفه، بل لقد أعطاني قوالب لصنعها والمواد الأخرى التي تتركب منها، فحملتها معي الى فرنسة!..." انتهى كلام بروكيه.

ونحن نقول بأنه اذا صحت هذه التفاصيل التي يرويها الرحالة الفرنسي بروكيه. فان ذلك يعني أن سر صناعة البارود للأغراض الحربية قد انتقل الى أوروبا عبر بلادنا بواسطة بروكيه نفسه. والجدير بالذكر أن المسلمين في بيروت ما يزالون ينفردون حتى اليوم بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف على الطريقة التي ذكرها رحالتنا، دون غيرهم من المسلمين في البلاد الأخرى.

4- أنطون دي طرويا

أنطون دي طرويا (Ditroia) زار بيروت، وهي ما تزال في عهدة المماليك، بمهمة من لدن الفاتيكان بين نصارى الشرق لا سيما في لبنان. وقد نقل لنا الأب لامنس طرفا ً مما كتبه طرويا عن بلدنا وذلك لما رآها سنة 1450 حين زارها في مهمته الكهنوتية. قال طرويا:

"... وفي تلك الأيام كانت بيروت مع الاسكندرية أهم الثغور الشرقية على البحر الأبيض المتوسط. فخراب عكة وصور وطرابلس وسقوط مملكة كليكية كان سبب عمرانها وصيرورتها مركز تجارة كل سورية (ما أشبه الليلة بالبارحة).

وكان مرفؤها الأمين في غاية المناسبة، والمدينة آهلة بعدد وافر من السكان. فجاءها التجار انتجاعا ً للعافية وأسباب الربح من دمشق وحلب وطرابلس وصور. وكان فيها لأهل قبرس عدد من الكنائس والحمامات، وكانت بضائع البندقية بقيت زمانا ً لا تتمكن من دخولها الا تحت علم آل لوزينيان أسياد قبرس، ثم أخذت سفن البندقية وجنوة وفلورنسة وكاتالونية تردها بأوقات معلومة. وكان لكل من هذه الجمهوريات صاحبة التجارة فندق ومستودع ومن ثم قنصل يمثل البندقية..".

ويتابع طوريا وصف المعاملة الحسنة التي كان يلاقيها الأجانب من قبل السلطات المملوكية ببيروت فيقول:

"... وكان المماليك الشراكسة الخاضعة لهم بيروت يبرهنون عن سداد رأي بتوفير أسباب التجارة وهي ينبوع الخيرات للبلاد السورية، وزادوا على ذلك أنهم عينوا راتبا ً سنويا ً لقناصل أوروبة..".

ولما استأذن تجار بيروت اللاتين في ترميم كنيسة المخلص لم تتردد الحكومة عن اجابتهم. وكان تجار أوروبا ينفقون على هذه الكنيسة ويقوم على خدمتها الفرنسيسكان المقيمون في جوارها بدير لهم، كان في نفس الوقت مضافة لرواد بيروت من الأوروبيين...".

وفي وصف سكان بيروت في أواسط القرن الخامس عشر للميلاد يقول طوريا:

"... وفي أسواقها الضيقة، وطرقها الملتوية، تزدحم الأقدام، فمن أصحاب العمائم، أو الكفاف الحريرية، ومن لابسي البرانس البيض، أو المضربيات، ومن هو مدجج بالأسلحة المنزل فيها من الذهب والفضة والنحاس، أشكال من النقوش البديعة، وكم من تاجر وأمير خطير يعثر بحمال فقير، فيها التقت جميع الأمم واللغات، وتعارضت الألوان والأصوات، فمن الزنجي السوداني، الى الشركسي الأبيض، ومن الرومي النزق، الى البدوي الذي لا تهزه ريح، ومن اليهودي الملتوي الى الاسباني المتغطرس، وقد اختلط بهم تجار البندقية وجنوة وبيزا (مرة أخرى نقول ما أشبه ليل بيروت ببارحتها!..).

5- فرنشيسكو سوريانو

الرحالة الايطالي فرنشيسكو سوريانو (Francisco Suriano) مواطن من البندقية، تولى سدانة الأماكن المقدسة في الشرق مرتين.

وسوريانو هذا حكى في كتابه الذي ألفه عن الأرض المقدسة Trattato di Terra Santa d'ell'Oriente في أثناء حديثه عن بيروت ما أسماه أعجوبة قال: انها حدثت حينما تفجرت النيران نتيجة ضربة معول بيد أحد المغاربة بقرب كنيسة المخلص حينما كان يبحث مع رفيق له عن كنز، وان هذا النار لم تنطفىء من الحفرة الا بعد أن رش عليها الرهبان الماء المصلى.

هذا ما يقوله سوريانو بيد أن الأب لويس شيخو اليسوعي عقب على ما قاله سوريانو بقوله: "لم يرو أحد غير سوريانو هذه القصة!".

6- فارتيما

في سنة 1500م (906ه) حضر الى مصر مغامر ايطالي يدعى فارتيما، وانتظم في سلك المماليك، وكان ذلك في أيام الملك الأشرف قانصوه الغوري الذي انتزع منه السلطان سليم الأول العثماني بلاد الشام ومصر والبلاد العربية سنة 922 هجرية (1516م).

لقد كان هذا الرحالة واحدا ً من أولئك المغامرين الذين وضعوا نصب أعينهم الوصول الى الديار الاسلامية المقدسة في الحجاز، وبالفعل فانه حقق أمنيته، وكان أول أوروبي استطاع الوصول الى مكة المكرمة في قصة يطول شرحها وليس هنا مجالها.

ولقد قص علينا فارتيما ما شاهده في بيروت التي كانت يومئذ في عهدة قاصروه نائب الشام من قبل السلطان الغوري فقال: "... فنزلت الى بيروت وهي مدينة وافرة الخيرات سكانها مسلمون وحولها سور تلتطم عليه الأمواج لكنه لا يكتنف المدينة من كل جهاتها بل من الغرب وعلى شاطىء البحر فقط".

ويتابع هذه الرحالة المغامر كلامه عن بيروت التي لم يجد فيها ما يستحق الذكر فيقول:

"... ولم أر في المدينة ما يستحق الذكر الا بناء ً متهدما ً قيل ان ابنة الملك كانت مقيمة فيه لما أراد التنين أن يفترسها فجاء مار جرجس وقتله.." ا. ه.

وقصة التنين والملك وابنته ومار جرجس من الأساطير التي بقيت عالقة مع التقاليد النصرانية في بيروت حتى عهد قريب من أيامنا، فلقد حدثني الصديق الأستاذ جبران بخعازي أمين المكتبة العربية بالجامعة الأميركية سابقا ً أنه كان يسمع والدته تترنم في البيت، شأنها شأن كرائم المسنات من سيدات النصارى في زمانها.. كان يسمعها تترنم بأبيات من الشعر في قصيدة طويلة تتضمن قصة هذا التنين الذي أراد افتراس بنت الملك وروى لي من هذه القصيدة البيتين التاليين:

أهل بيروت يا مدينتي خذوا مالي ومملكتي
واعفوا عني وعن بنتي ما لي طوق الحزانى

7- سانديس

في أوائل العهد العثماني والمدينة تحت حكم الأمير فخر الدين المعني 1610م (1025ه)، عرفت بيروت سائحا ً يدعى "سانديس" وهذا حدثنا أن حكم الأمير المعني في السنة التي زار فيها بيروت كان يمتد من أسفل جبل الكرمل ضاما ً غزير وبيروت وصيدا وصور وعكة وصفد ودير القمر والشقيف وبانياس والحولة وبحيرة طبرية ومدينة الناصرة.

وعندما تحدث عن بيروت قال:

"أما التجار في بيروت فأغلبهم انكليز ويعاملهم الأمير بالحسنى ويطلق لهم حرية التنقل فيمكنهم من التنقل في مملكته بحرية ودون أي خطر والدراهم على أكفهم..".

8- بوكوك

وفي سنة 1637 ميلادية (1047ه) قدم الى بيروت سائح أوروبي آخر كان يدعى "بوكوك" وقد حدثنا هذا السائح عن قصر الأمير فخر الدين في بيروت فقال:
"... أما اصطبلات القصر ففخمة وهي مبنية في أسواق قائمة على أعمدة مربعة وبكل حجرة منها معلف وكوة للتهوية. وقد وزع الأمير على كل أقسام القصر أقنية للمياه مخبأة في بطن الجدران. ومن آثار البعثة التوسكانية التي استقدمها فخر الدين الى بيروت السبيل الذي أقامه هذا الأمير تخليدا ً لذكرى كنته (زوجة ابنه الأمير على التي اختطفتها يد المنون وهي في ريعان الصبا..) .. وقد أدخلت هذه البعثة الى بيروت فالجبل من الشرق فن أسطحة القرميد وواجهات المنازل الزجاجية المرتكزة على أعمدة رشيقة، المفتوحة على صحن الدار لتموينها بهواء البحر البليل صيفا ً وأشعة الشمس شتاء ً.

بيروت في ذلك العهد سنة 1643 م على لسان سائح آخر

9- الأب فيتالي

وبعد بضع سنين حضر الى بيروت أحد رجال الدين الكاثوليك وهو الأب فيتالي، وقد وضع هذا السائح تقريرا ً عن زيارته لبيروت وصف فيه معالم المدينة الدينية التي كانت قائمة في زمانه فقال:

"... ومما يزيد في مكانة بيروت كنيستان قديمتا العهد، الأولى خارج السور والثانية بداخله.

1- الأولى، خاصة بالطائفة المارونية ومقامة على اسم السيدة العذراء، وفيها أو على الأصح، في مكانها ظهرت تلك الأعجوبة الخطيرة المدهشة التي يذكرها السنكسار الروماني في التاسع من تشرين الثاني ومآلها: أن الكفار اليهود بلغت بهم الجسارة أن صلبوا صورة سيدنا يسوع المخلص فتدفق منها الدم الغزير، حتى ان جميع كنائس الشرق والغرب نالت قسطا ً منه (الكلام للأب فيتالي).

2- والثانية على اسم القديس جرجس الشهيد وهي مشتركة بين الموارنة والملكيين، وهي مشيدة، كما يقول تقليد عريق في القدم، في المكان الذي قتل فيه هذا القديس التنين الهائل..

وهناك على ربع ميل من البحر مغارة هائلة ترتعد منها فرائص الناظرين اليها، فما بالك بالداخلين. فان زرتها لا يخالجك شك بأنها مقام التنين وما أشبه من الحيوانات والمسوخ الفتاكة.."ا. ه.

10- هنري ماندرل

في سنة 1696 م (1108ه) وصل الى بيروت رحالة انكليزي يدعى هنري ماندرل (Henry Mandrell). لقد كان هذا الرحالة قاصدا ً البلاد الفلسطينية ليحضر فيها معالم عيد الفصح. وكانت مدينة بيروت على طريقه الى غايته، فانتهز الفرصة وكتب ما شاهده في هذه المدينة من حالة عمرانها وأوضاع سكانها وألوان حياتها الاجتماعية وكانت بيروت في عهده تنقل من يد واليها السابق مصطفى باشا الى وال جديد وهو أرسلان باشا المطرجي.

قال ماندرل: "... وصلنا الى نهر بيروت، وقطعناه على جسر فيه ست قناطر، ورأينا كنيسة مار جرجس، وكانت قد جعلت جامعا ً.. ودخلنا بالمركب الى بيروت مبتلين ثم نزلنا في خان قرب البحر.. ان مدينة بيروت لقبت بيوليا السعيدة في عهد أغسطس قيصر، ولكن لم يبق من سعادتها غير موقعها، فانها قائمة على شاطىء البحر في بقعة طيبة والبلاد حولها كثيرة الخصب وماؤها زلال، يأتيها من التلال المجاورة لها، وله فيها عيون جميلة البناء... ولا شيء تفخر به الآن".

ويتابع ماندرل: ".. وفي بيروت قصر الأمير فخر الدين أمير لبنان وهو من الدروز الذين يظن أنهم من بقايا الصليبيين... ولم يشأ هذا الأمير أن تكون ولايته مقصورة على لبنان، فأضاف اليه كل بلاد الساحل الى عكة، فأوجس منه الباب العالي خشية ورده الى جباله.

"ذهبنا الى مشاهدة هذا القصر، وهو في الساحة الى الشمال الشرقي من المدينة فوجدنا أمام بابه فسقية (حوض) ونوفرة من الرخام لم نر أجمل منها في بلاد الترك، والقصر دون مختلفة، أمسى أكثرها خرابا ً ولعلها لم تكتمل أصلا ً. وهناك اصطبلات للخيل وبيوت للأسود ونحوها من الوحوش مما لا مثيل له الا في قصور الملوك. وأجمل ما رأينا هناك بستان كبير مربع مقسوم الى ست عشرة حديقة من شجر البرتقال. والأشجار كلها كبيرة ناضرة لم تر العين أجمل منها، تكاد أغصانها تتكسر من كثرة حملها.

"وحول هذه الحدائق مماش من الحجر فيها مجار للمياه يروى بها البستان كله. ولو كان فيه بستاني انكليزي ما نظمه بأحسن من تنظيمه. لكن، واأسقاه، فاننا لما رأيناه كان قد صار كله حظيرة للغنم والمعزى، وزبلها فيه يعلو عن الأرض أكثر من ذراع!.

وفي الجانب الشرقي من هذا البستان ممشيان عاليان، الواحد منهما فوق الآخر، يوصل الى كل منهما باثنتي عشرة درجة وفوقهما أشجار البرتقال تظللهما، وهما يوصلان الى مصيف بهيج في الجهة الشمالية، كان فخر الدين يجلس فيه في ساعات أنسه".

وقد لاحظ ماندرل أن الأمير فخر الدين أراد أن ينقل الحضارة الغربية الى امارته الشرقية فقال: "فانه - أي الأمير- أراد أن يقلد ملوك ايطاليا الذين زار بلادهم. وقد رأينا في بستان آخر نصبا ً للتماثيل وفي احدى زواياه برج عال ارتفاعه 60 قدما ً بناه مرقبا ً وأحكم بنيانه، فان سمك جدرانه 12 قدماً".

ثم يصف ماندرل سور المدينة وما فيها من آثار فيقول: "ولم يزل سور المدينة قائما ً الى الجنوب منها، وهو مبني من أنقاض مبانيها القديمة، فترى فيه قطعا ً من أعمدتها الرخامية. ورأينا خارج السور كثيرا ً من أعمدة الغرانيت والأرض المرصوفة بالفسيفساء وقطعا ً من الرخام الصقيل والتماثيل القديمة ونحو ذلك من الآثار التي تدل على ما كان لهذه المدينة من العظمة. وعلى شاطىء المدينة عند البحر قلعة قديمة متخربة وآثار مرفأ قديم..".

ثم يتحدث ماندرل من غابة الصنوبر فينسبها الى فخر الدين: "... وخرجنا من بيروت في التاسع عشر من شهر مارس ودخلنا سهلا ً فسيحا ً يمتد من البحر الى الجبل في أوله غابة الصنوبر التي زرعها فخر الدين..." انتهى كلام ماندرل عن بيروت.

11- الراهب بسون

في سنة 1659 مر ببيروت راهب يسوعي يدعى جوزيف بسونJ. Besson ، وهو صاحب كتاب "سورية المقدسة" وقد نقل الينا الأب لويس شيخو اليسوعي أن هذا الراهب ذكر في كتابه "ما نعربه دون أن نحكم بصحته" والكلام هنا لشيخو. قال بسون ص119، 120:

"... ان لبيروت أفضالا ً ليست زهيدة وانما أخصها ذلك المصلوب الذي اصطنعه بيده نيقوديموس فأورثه جمليال، فأرسله جمليال الى بيروت سنتين قبل فتح أورشليم على يد طيطوس وفسبسيان. وقد ألحق بعض اليهود بهذا المصلوب كل الاهانات والعذابات التي احتملها المخلص ولا يزال الى يومنا (كذا) في دهليز تحت كنيسة المخلص التي تحولت الى جامع. وبركات هذا المصلوب لم تنقطع لفائدة غير المؤمنين أعداء الكنيسة، بل ربما التجأوا اليه ونالوا بمجرد لمسه الشفاء من عللهم!" ثم يذكر المؤلف ما قيل عن مصلوب بيروت في المجمع النيقاوي الثاني كما روي في كتاب مروج الأخبار في تراجم الأبرار، في اليوم التاسع من شهر تشرين الثاني".ا.ه. كلام بسون وتعليق الأب شيخو.

واذا تجاوزنا حكايات بسون عن المعجزات والأعاجيب التي حدثت كما قال هذا الراهب نتيجة وجود بعض الذخائر الدينية المسيحية في ترابها، فانا نجد بسون يقول بأن تجار الفرنجة بسورية على عهده كانوا يدعون بيروت "باريس الموارنة الصغيرة" ومن الطريف أن الأب لامنس عقب على زميله اليسوعي السائح، بقوله: ولكن باريس هذه ظلت صغيرة، فلم تتقدم قيد شعرة مدة قرنين كاملين، يظهر هذا من الصورة التي رسمها لبيروت الرحالة "بوجولا" سنة 1831 حيث قال انها عبارة عن: قبب ومنافذ سرية ومجازات مظلمة وأسواق ضيقة، ذات تعاريج، كل منزل فيها يكون شبه حبس مظلم لا يوصل اليه لا سيما في الحي الاسلامي (Correspondance d'Orient).

12- الرحالة الفرنسي فولني

في السنة 1784 ميلادية أقدم أحد النبلاء الفرنسيين هو فولني (Francois de Volney) على القيام برحلة دراسية الى بلاد الشرق "فركب البحر من مرسيليا غير حامل معه سوى بعض الملابس القطنية وزنار من جلد جعل فيه الستة آلاف فرنك التي ورثها. فلما وصل الى مصر، توجه الى القاهرة فأقام فيها بضعة أيام مراقبا ً عادات السكان وأخلاقهم مجتهدا ً أن يرى بعينه كل شيء ويسمع بأذنه كل قول، ويطأ كل مكان. وانما كان يعوزه الالمام باللغة العربية، ولكي يتعلمها سافر الى لبنان وانزوى ثمانية أشهر في دير مار يوحنا الشوير. وهناك كان يقضي الساعات الطوال في محادثة الرهبان عن حالة البلاد وعادات السكان ولم يبرح الدير الا بعد أن توصل الى التكلم بالعربية. فودع الرهبان وبدأ رحلته التي استغرقت ثلاث سنين".

ولقد ترك لنا فولني مذكرات جذابة عن رحلته الممتعة في الشرق لا سيما فيما قاله عن بيروت وهي على أهبة الانتقال من القرن الثامن عشر الى القرن التاسع عشر للميلاد. وفيما يلي شذرات من مذكرات هذا النبيل الغربي المغامر في قلب بلاد الشرق الذي لبث فيه من سنة 1873 حتى سنة 1873 حتى سنة 1875 أي ثلاث سنوات بكامل أيامها ولياليها. قال فولني:

... بيروت تقع على بقعة تبدأ عند سفح الجبل، داخلة في البحر على شكل قرن طوله فرسخان والزاوية الجوفاء التي يحدثها هذا القرن يصب فيها نهر بيروت، أو نهر "الصليب". الذي يفيض في فصل الشتاء وعلى هذا النهر جسر كبير خرب يصعب عبوره.

... كانت بيروت في حوزة الدروز، بيد أنها ظلت البندر الذي يترددون اليه لأنهم يشحنون قطنهم وحريرهم المعد معظمهما لمدينة القاهرة فيأتيهم بدلا ً منها البن والأرز اللذان يقايضون عليهما بحنطة البقاع وحوران.

.. وفي بيروت من السكان ستة آلاف نسمة.

ولمرفئها رصيف كما للمرافىء الأخرى في هذا الساحل، وقد تراكمت فيه الأنقاض والرمال.

ويحيط بها سور بني بحجارة رملية رخوة تخترقها القنابل دون أن تحطمها مع أنه لا مناعة لسورها ولا لأبراجها القديمة. والتلال المشرفة عليها وافتقارها الى الماء يجعلانها تعجز عن رد المغيرين عليها.

وترد نساؤها عينا ً نائية قليلة العذوبة وقد حاول الجزار اقامة سبيل كالذي أقامه في عكة...

.. والحفر التي حفروها لبناء الصهاريج (للماء) كشفت عن أطلال المدينة القديمة التي بعض أنقاضها وأعمدتها ترى وراء السور.

... والبساتين التي بجوارها أقوى وأحدث من التوت الذي في أراضي طرابلس لأن أصحاب تلك البساتين كانوا في أثناء حكم الدروز (يعني الشهابيين) يستطيعون نصب أشجار جديدة كلما دعت الضرورة، فلا يعارضهم أحد، لذلك يمتاز حرير بيروت بجودته!

... ... وبيروت حرها شديد، وماؤها ساخن، لكن هواءها طيب، ومما يزيد طيبته ويجعله جيدا ً ونقيا ً شجر الصنوبر الكثير الذي نصبه الأمير فخر الدين على مسافة فرسخ منها.. .

... والتجار المقيمون في سورية يتخذون وكلاء من الوطنيين أصحاب الطقس اللاتيني، وقد توصلوا الى اشراكهم في امتيازاتهم، لذلك ليس للحاكم وعماله سلطة عليهم ولا يستطيع أحد تغريمهم، وان أريد مقاضاتهم نظر بأمرهم القنصل.

وهؤلاء كانوا يعرفون في الشرق باسم "تراجمة أصحاب براءة" والبراءة يمنحها السلطان للسفراء المقيمين في الآستانة، فكانوا يهدونها الى هؤلاء الوكلاء الوطنيين لكنهم بدأوا الآن (في أيام فولني) يبيعونها فيجنون منها أرباحا ً لا بأس بها، فثمن الواحدة ألفا قرش أو ألفان وأربعمائة. وكل سفير يعطى خمسين براءة، واذا مات صاحبها أخذ السفير براءة جديدة بدلا ً منها.

... ومما يجدر ذكره، ذاك الظاهر لملامح وأحاديث السكان الدال على الورع والتقوى، فلا يرى في الطريق والأسواق الا أناس في أيديهم المسابح، ولا تسمع الا ابتهالات مفخمة موجهة الى الله تعالى (لم يكن فولني متدينا ً) ويطرق أذنك على الدوام ذكر صفة من صفات الله التسع والتسعين (وهي أسماء الله الحسنى).

اذا استفز أحدهم الحديث قال: يا الله!.. أو الله أكبر، أو الله تعالى، واذا باع أحدهم خبزا ً فانه لا ينادي بخبزه بل يقول، الله كريم، واذا باع ماء ً، قال: الله جواد، وقس على ذلك سائر الأحوال.
وبالاختصار فان اسم الله يذكر في كل حال".
 0  0  295

جميع الحقوق محفوظة - يا بيروت - 2017

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

Developed By IDC sarl