|
الدواء المزوّر... قاتل مأجور! تنتشر على كثير من طرق المناطق اللبنانية وشوارعها، منذ أيام إعلانات للحملة الوطنية الأولى لمكافحة الأدوية المزوّرة - المقلدة في لبنان. يتضمن الإعلان رسماً لكبسولات أدوية في هيئة رصاصات تتوجه إلى قلب مجسم لإنسان مريض. وتأتي الحملة هذه تحت عنوان "الدواء المزوّر - المقلّد يقتل". وتتوجه في الدرجة الأولى إلى المواطنين، بهدف توعيتهم على التمييز بين الدواء الأصلي والدواء المزوّر الذي غالباً ما تكون مكوناته غير فعالة، ويعمل بفاعلية غير مركزة، ما يؤدي إلى "مقاومة الجراثيم لمكونات الأدوية السليمة، وفي كثير من الأحيان إلى تسمم المرضى ووفاتهم"، كما يقول ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان الدكتور حسين أبو زيد في مداخلته التي ألقاها أثناء إطلاق الحملة في السادس من آب الماضي في مؤتمر أقيم في فندق الحبتور. وتتوجه الحملة أيضاً إلى الصيادلة والأطباء الذين وزّعت عليهم كتيبات للإرشاد والتوجيه الصحي. ■ حالة خاصة معقّمة ثمة مرضى كثيرون في لبنان يقعون ضحية الأدوية المزوّرة. فتشير دكتورة في إحدى شركات الأدوية إلى أن الحالات هذه منتشرة على نطاق واسع، ومضاعفاتها خطيرة جداً على المرضى، قد تؤدي، أو أدّت فعلاً في بعض الحالات، إلى الموت. وتروي الدكتورة التي تحفظت عن ذكر إسمها، قصة حدثت مع إحدى السيدات التي تعمل كصيدلانية تعاني أمها مرض السكري المزمن الذي يحتاج إلى أبر يومية من الإنسولين، وقد قامت الصيدلانية بإحضار علبة إبر من صيدليتها، حصلت عليها بأسعار اقل من تاجر يدّعي انه مندوب شركة أدوية مشهورة. وعندما استخدمت الأم الإبر أصيبت بتقرحات في جلدها تطورت إلى "غرغرينا" (داء النكرز)، ما استدعى نقلها إلى المستشفى، وقامت ابنتها الصيدلانية بإرسال الإبر إلى الشركة التي تحمل إسم الدواء لفحصها والتأكد من صلاحيتها، فتبين أن الإبر كانت لا تحتوي مادة الأنسولين، بل معبأة بسائل هو اقرب إلى الماء منه إلى الدواء. ولولا وعي الصيدلانية ومعرفتها، لما أوقفت الأنسولين المزوّر عن أمها، ولما أرسلته إلى شركة الأدوية لفحصه وفضح تزويره.
■ ما هي الأدوية التي تزويرها ؟ تشير دراسات كثيرة إلى أن معظم الأدوية من مضادات حيوية، أدوية السرطانات، أدوية الضغط والسكري والهورمونات، مروراً بالأدوية التي تستعمل لتخفيف الآلام لم تسلم من التزوير في لبنان. وتشير الدراسات هذه إلى أن نسبة الأدوية المزورة تراوح بين 1 في المئة في البلدان المتطورة، و30 في المئة في البلدان النامية. لكن هذه النسبة ترتفع أكثر في لبنان. لذا طورت وزارة الصحة العامة، ما اصطُلح على تسميته بـ"مصلحة الصيدلة"، وعززت قدرات التفتيش الصيدلي مركزياً وفي المناطق. وقد اصدرت الوزارة، كما يشير الوزير محمد جواد خليفة في كلمته أمام المؤتمر، 43 كتاباً موجهاً إلى النيابات العامة للتحقيق مع مؤسسات صيدلانية وصيادلة يثبت تورّطهم. أما التفتيش الصيدلي فقد أصدر 65 قراراّ في العام الحالي تمنع تداول أدوية مهربة ومزورة، وأخرى خاضعة لقانون المخدرات والمواد التخليقية، بالإضافة إلى قرارات أخرى منعت أدوية تستعمل لعلاج الضغط والألم وخفض الحرارة.
■ التجارة بالصحة لماذا يقوم الناس بشراء ادوية مزوّرة أو مقلّدة؟ هذا السؤال طرحته الحملة على نفسها، والإجابة هي في شيوع ثقافتين، هما ثقافة الإختصاصي المسؤول عن الصحة، أي الطبيب والصيدلي، وثقافة الإتجار بالصحة، وهي ذهنية الربح والبيع والشراء والجشع، كما يشير نائب رئيس الاتحاد الدولي لنقابات الصيادلة الفرنكوفونيين زياد نصور. ولتفادي الوقوع في فخّ الثقافة الثانية، أي ثقافة الإتجار بالصحة، تم في العام 2007 تنفيذ برنامج إعادة تسعير الأدوية الهادف إلى ضبط سوق الدواء وضبط كلفته مقارنة مع الأسعار في بلد المنشأ، والأسعار المتداولة في بعض دول المنطقة. فكثير من اللبنانيين يأتون بأدويتهم من دول الجوار، من مثل سوريا والأردن ومصر بأسعار بخسة ومتدنية، ما يمكن أن يؤدي إلى مخاطر على الصحة، حتى ولو كانت هذه الأدوية أصلية، فإنها لا تخضع لشروط النقل الصحي، التي تستلزم حرارة ورطوبة معينتين، بالإضافة إلى مراعاة عامليّ تعرض الأدوية إلى الضوء والشمس.
■ الملكيّة الفكريّة لا تحمي يقول صيدلي رفض الإفصاح عن اسمه إن مافيات الأدوية المزورة ترتبط بشكل أساسي بشبكات عالمية تستغل ضعف القانون اللبناني وهشاشة الحدود وميوعتها لتهريب الأدوية وتصنيع بدائلها بنوعيات متدنية. فالأدوية تخضع لقانون الملكية الفكرية، الذي يمنع تصنيع الدواء بالتركيبة المسجلة قبل مرور عشرين عاماً على اعتمادها كبراءة اختراع. لكن في لبنان، ثمة الكثير من الشركات والمافيات التي تنتكهك بطريقة مقوننة الملكية الفكرية، تحت غطاء من سياسيين متنفّذين. في صيدليته، في ضاحية بيروت الجنوبية، هناك نوعان من الأدوية ذات التركيبة الواحدة. يقول الصيدلي إن أحدها مصنّع محلياً وليس شرعياً، مع أنه يتمتع بالمواصفات نفسها، لكن بأسعار متدنية مقارنة مع الدواء المصنع في الخارج، والذي تمتلك الشركة المصنعة براءة اختراعه. فبعض الأدوية، وهو في الغالب من المسكنات وأدوية الرشح، لا يسبب مشاكل كبيرة في حال كان مزورًا. لكن ما يثير المشاكل ويؤدي إلى حالات وفاة، أو عاهات مستديمة، هو الأدوية المرتبطة بالأمراض المزمنة الخطيرة، مثل السكري والضغط وغيرهما. يشير بعض الاختصاصيين إلى أن حملات التوعية، المقترنة بحملات إعلانية ضخمة لا تكفي وحدها في الحدّ من ظاهرة الدواء المزوّر، بل يجب أن تقترن بقوانين ترعى بيع الأدوية، وتراقب الصيدليات بشكل دوري، وتفحص نماذج الأدوية المتوفرة في هذه الصيدليات، وتضبط مروّجي الأدوية المزورة ومهربيها وتمنع وجود أي دواء في الدكاكين والسوبرماركت، بالإضافة إلى إنشاء مركز رسمي لتلقي الاتصالات من قبل المرضى والمتضررين.
■ مضار الأعشاب لا يقتصر تزوير الدواء على الكبسولات والسوائل الموجودة في الصيدليات، بل يتعداه إلى الأعشاب والعقاقير التي تنتحل صفة الدواء، وينتحل مصنّعوها صفة الأطباء. وهؤلاء ينتشرون على الشاشات بكثافة هذه الأيام. ومع اتفاق المتخصصين على الفوائد الكثيرة للأعشاب، إلا أنهم يتفقون أيضاً على ضرورة ضبط هذا القطاع، وإلى اعتماد قواعد علمية خاصة. وتستمد شركات أدوية الأعشاب والعقاقير مشروعيتها من رخص تمنحها لها وزارة الصحة. ولا بد من الإشارة إلى أن لجوء الناس إلى الأعشاب يعد ظاهرة تعود إلى قلة الوعي والمعرفة وضعف الثقافة الطبية، وإلى اعتبارها طباً بديلاً رخيصاً، قياساً إلى الاستشفاء والطبابة في العيادات، خصوصاً أن نحو خمسين في المئة من الناس في لبنان لا يملكون تغطية اجتماعية أو ضماناً صحياً. كما وتلعب الوسائل الإعلامية دوراً سلبياً في التسويق للعلاج بالأعشاب من دون التحذير من أنه لا يمكن ان يحل مكان الطب الأصيل.
رامي الأمين – لبنان الآن الموضوع المرتبط التالي >> |