|
حيث المخبر قد يتحوّل "مقاومًا" البلدة ذات الاجتماع السنيّ تعيش خارج حدود سياق المجتمع الحربيّ الذي عاشه الجنوب الشيعي في حرب تموز 2001 وما قبلها وما بعدها، فتبدو لزائرها بلدة نائية منزوية على كتف وادٍ سحيقة في قلب جبل الشيخ، ومحاطة بقممه الجرداء...
لا يعكّر عزلتها دمار أبنية أو خراب طرق. أشجار بساتينها المثمرة المنتشرة في الوادي الضيقة قريبًا من بلدة الهبارية جنوباً وحتى نبع الجوز شمالاً وحيث تتسع الوادي في أعاليها، أهملت معظمها في السنوات العشرة الأخيرة. لكن مشهد اخضرارها لا يزال يحيط البلدة كواحة وسط جبال شاهقة ومساحات ووعر جردي واسع، منعته قطعان الماعز الكثيرة من خياطة الثوب الأخضر. عيون ماء وينابيع تكاد تكون المعلم الأبرز للحياة فيها، تروي البلدة وعدداً من القرى المجاورة، وتسمح ببعض نشاط سياحيّ بدائيّ على ضفافها، جاذباً إليها أهلها وأهالي الجوار. نشاط يبث في البلدة شيئاً من الحياة يعوّض هجرة القسم الأكبر من أهلها الى مدينتي صيدا وبيروت وضواحيهما أو الى دول الخليج العربي، وسابقاً الى الأميركيتين (البرازيل والولايات المتحدة الأميركية). يشعر الداخل الى شبعا من مداخلها التي تكاثرت إبان الاحتلال الاسرائيلي، بعدما كان الدخول إليها يقتصر على طريق واحدة، تصلها من حاصبيا، أنه يتوغل في متاهة عمرانية تؤلفها البيوت المتلاصقة والمتراكمة فوق بعضها عشوائياً، حول طرق هي أزقة ضيقة حلزونية تشق الأحياء وتلتف حولها مثل الثعابين. بيوت كثيرة شيّدت في خراج البلدة القديمة، فتسلّقت المرتفعات الصخرية، وعبرت الوادي الى الجبل المقابل، فزادت من مساحة البلدة التي تزايد مع الوقت عدد سكانها حتى بلغ حوالي 45 ألف نسمة. البيوت بقيت في معظمها من دون طلاء، كأنّها شيّدت كلها أمس، أو في وقت واحد. أبوابها تلامس الطرق، كأنها أكوام من الباطون ارتفعت حولها. وهي تؤلّف أحياءً تذكر بٍالمخيمات الفلسطينية أو بضواحي ضاحية بيروت الجنوبية (حي السلم) في اكتظاظها الشعبيّ وتداخل عمرانها الفوضويّ. ■ مساجد وشجارات ثلاثة مساجد في شبعا أضيفت في السنوات العشر الأخيرة الى مسجدها القديم في الساحة العتيقة. دار الافتاء و"الجماعة الاسلامية" وجماعة سلفية تتبعها عائلة الزغبي تتقاسم إدارة المساجد وتشرف عليها. مفتي شبعا الشيخ حسن دلّي إمام أحد هذه المساجد، تعرّض منزله قبل أسبوعين لإطلاق نار. الحادثة تختلف روايتها المتناقلة على ألسنة أهل البلدة. فالبعض يروي أن المفتي انتقد في إحدى خطب الجمعة "العناصر المندسّة" والمسلّحة في البلدة، ودعا الى "نبذ الفتنة"، فجاء مسلحون وأطلقوا النار على منزله. وفي الأحاديث المتناقلة عن المسلحين إشارة الى مناصري "حزب الله" من الشبعاويين. ثم حصل عراك وإطلاق نار في الهواء بين أنصار "حزب الله" و"تيار المستقبل" على خلفية الحادثة. على الاثر تدخلت وحدات من الجيش اللبناني المرابطة على أطراف البلدة، فأوقفت شاباً من "المستقبل" وأربعة من مناصري "حزب الله" ثم أطلق سراحهم.
في شمال شبعا يشكل مقهى في جوار نبع الجوز مقصداً للشبعاويين المقيمين خارج الجنوب والعائدين الى بلدتهم في العطل، ولعائلات من القرى المجاورة. الشاب الذي يديره موسمياً لم ينف حصول صدامات وحوادث متفرّقة بين مؤيدي "حزب الله" وتيار "المستقبل". ولفت الى أن الغالبية الساحقة من أهالي شبعا يؤيدون "المستقبل" لأن الناس توالي زعامات الطائفة التي تنتمي اليها، وقال: "لا يمكن للشخص أن يكون ضد طائفته في هذا البلد". وقال إن لـ"حزب الله" عشرات الاشخاص الذين يؤّيدونه في البلدة، وهم على علاقة تنظيمية مع مراكز الحزب في بلدة الخيام. كاشفًا أن مؤيدي "الحزب الإلهي" يستقوون بمسلحين من الحزب الذي سلحهم، يأتون من خارج شبعا ويدخلونها من وقت الى آخر، فيثيرون الخوف في صفوف أهالي البلدة ويستفزّون شبان "المستقبل" الذين يسعون إلى عدم الاحتكاك بهم. "تيار المستقبل لا يوزع السلاح على الشبّان، وبطبيعة الحال من لا يملك سلاحًاً لا يمكنه مواجهة المسلّحين"، أضاف شاب المقهى. زميله عشرينيّ يعمل في المقهى صيفاً ويقضي الشتاء بين شبعا التي يقيم فيها وحاصبيا التي يتابع دراسته في مهنيتها، قال إنه يؤيد "حزب الله" لأنه يقاوم اسرائيل. لكن ذلك لا يضعه في مواجهة أصدقائه في "المستقبل" الذين يعملون في قطاع البناء ويحصلون على رواتب شهرية من "التيار"، بحسب الشاب المؤيد لـ"حزب الله"، لكنّهم "يفتعلون المشاكل ويستقوون على من يؤيدون "حزب الله" ويستفزّونهم". وإذ قال إنّ ثلاثين الى أربعين عائلة تؤيد الحزب في شبعا، نفى مشاركته في أيّ من دورات التدريب العسكري التي يقيمها حزب الله". ■ بين شبعا وكفرشوبا المخبرون يتحوّلون "مقاومين" على خلاف بلدة كفرشوبا القريبة، تغيب أعلام "حزب الله" وصور أمينه العام وشهدائه عن شبعا، لتحضر كثيفة على مدخل كفرشوبا في جنوب شبعا الغربي. الداخل الى كفرشوبا سوف يشاهد "غابة" من الأعلام والصور المزروعة على البيوت. الى جانب أعلام "المستقبل" والأعلام اللبنانية وصور الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونجله النائب سعد الدين، تظهر أعلام "حزب الله" وصور شهدائه، فتحوّل كفرشوبا الى ما يشبه ساحة صراع يتواجه فيها أهل القرية بالصور واللافتات المرفوعة على شرفات البيوت وسطوحها وفي الطرق. كأن كفرشوبا ساحة حرب بسلاح الأعلام والصور. المشهد مختلف كلياً في شبعا. فأنصار "حزب الله" لا يتجاوزون العشرات من أهالي البلدة التي يبلغ عددهم أكثر من 40 ألف نسمة في سجلات قيد النفوس. أفراد من عائلات كنعان وناصيف ونبعة يؤيدون الحزب ويحصلون منه على السلام ورواتب شهرية تبلغ 500 دولار أميركي، بحسب كثيرين من أبناء البلدة. المجموعة الشبعاوية التابعة لـ"حزب الله" يتزعمها ماهر حمدان الذي كان قد تعامل في السابق مع إسرائيل، كما حال معظم أفراد المجموعة الذين كانوا مخبرين في المعتقلات الاسرائيلية لصالح أنطوان لحد والاسرائيليين، بحسب ما يؤكد بعض سكان البلدة المقيمين. واحد من المجموعة من آل كنعان يعمل، وفقاً للروايات، في رعي الماشية وكان "ريّساً" في جيش لحد ويشتهر بقتله مقاومين فلسطينيين في شبعا في أواخر تسعينات القرن الماضي. تلتقي هذه المجموعة في ولائها السياسي لـ"حزب الله" مع حزب البعث السوري و"هيئة أبناء العرقوب" الناصرية الهوى سابقاً والسورية الارتباط حالياً، التي يؤلف عمودها الفقري معلّمو مدارس يتبعون الناصري العتيق كمال شاتيلا، لا زالوا يعتقدون أن ثورة جمال عبد الناصر مستمرّة في شبعا (بحسب ما كتبوا في لافتة رفعوها قرب إحدى البوابات الحدودية في الشريط الاسرائيلي الذي يفصل البلدة عن مزارعها الشهيرة). ويروى ان هناك عائلات تشيّعت في شبعا وكفرشوبا. ونقلاً على لسان أكثر من راوٍ في البلدة، فإنّ أحد مناصري "حزب الله" توعّد أثناء حادثة صدامية مع أنصار "المستقبل" في أيار الماضي، بتحويل مسجد شبعا الى حسينية. بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، قبضت الدولة اللبنانية على بعض رجال من البلدة بتهمة التعامل مع اسرائيل وجرّتهم الى المحاكم. محمد نبعة كان أحدهم وهو يناصر "حزب الله" اليوم. وكان قد سلّم نفسه الى الجيش اللبناني قبل ساعات من انسحاب اسرائيل. وهو على علاقة جيدة جداً مع السوريين، فزوجته شامية والسوريون وثقوا به منذ اليوم الذي زوّدهم فيه بمعلومات مفادها أنه دخل الى اسرائيل واكتشف اتصالات بين ضباط اسرائيليين وسوريين يرتبون عمليات لجوء لعدد من الضباط السوريين الى تل أبيب. وقيل إن السوريين ساعدوه على الخروج من سجن الدولة اللبنانية بعد اعتقاله بتهمة التعامل مع العدوّ. ■ حوادث أيار والمناخ الاسلامي في أيار الماضي، حاول مناصرو "حزب الله" تقليد ما حصل من حوادث في بيروت، فقام مسلّحون منهم بمحاصرة مكتب تيار "المستقبل" والمستوصف الصحي التابع لمؤسسة الحريري في شبعا. جماعة "هيئة أبناء العرقوب" في البلدة ناصروا مسلحي "حزب الله"، فقام رجال في البلدة بضرب "هميد" هذه الهيئة في المسجد، حيث تجمع الأهالي في محاولة لفضّ الخلاف، فلم ينجحوا في السيطرة على الموقف. يومها تدخل شيخ من عائلة الزغبي ينتمي الى "الجماعة الاسلامية"، وقرّر أن تتسلّم "الجماعة" المركزين كحلّ وسط حقنًاً للدماء وهذا ما حدث. أدّت الجماعة الاسلامية دور الوسيط في العلاقة الصدامية بين "المستقبل" و"حزب الله"، لكنها بعد مدة قصيرة أعادت المركزين لجماعة "المستقبل". المناخ الاسلامي السلفي المستجدّ في البلدة الحدودية حملته بعض العائلات العائدة من ضواحي بيروت وبعض دول الخليج في مطالع تسعينات القرن الماضي. وهو مناخ وفد البلدة وتجذر فيها، كوريث للحالة العروبية والفلسطينية العامة التي أوجدها العمل الفدائي الفلسطيني في السبعينات، والناصري في الخمسينات والستينات، قبل أن يستوطن الفدائيون البلدة ومحيطها في ما كان يعرف بـ"فتح لاند" العرقوب. جاؤوا اليها بالآلاف وتوزعوا في أنحائها وخراجها متخذين منها قاعدة لانطلاق عملياتهم العسكرية ضد المستوطنات الاسرائيلية، وفي الوقت نفسه ملجأ ومخبأ من مطاردة الاسرائيليين لهم. حكمت المصلحة المادية المباشرة العلاقة بين الفدائيين وأهالي شبعا، فمن والاهم كان يستفيد من تقديماتهم ونفوذهم، ومن اختلف معهم غادر البلدة ولم يعد إليها حتى تغيرت الظروف. لكن المناخ الاسلامي في البلدة لا يمنع صاحب أحد الدكاكين القريبة من المقبرة من بيع البيرة في متجره. الرجل الخمسينيّ النحيل الجسد والمتقوقع في متجره يتمتم كلمات قليلة. لم يعرف الحياة خارج شبعا غير فترة سنة ونصف عمل فيها في مشفى الفنار، على ما روى لنا. يمكث في دكانه الذي يختصر حدود عالمه مرتدياً ثياباً بيتية، كأنه دائماً على مسافة قصيرة من النوم. دكانه منزله الذي يقيم في غرفة داخلية منه، ويفرد في الأخرى بضائع مختلفة من مواد غذائية ومنزلية مكوّمة. متجر مظلم علق على واجهته ورقة خطّ عليها حكمته الغريبة في الحياة: "الحياة ليست بمظاهرها بل بخفاياها". الخفايا ومعنى الغموض هذا يمكن أن ينسحب على البلدة التي يعتدّ أهلها بانتمائهم الى جمهوريتهم المعزولة عن الجنوب، حيث الحياة تسير بطيئة ورتيبة، لو لم تقطع بعض الشجارات وبعض القادمين اليها في العطل، رتابتها وعزلتها في الجرد، فيما يتنافس "حزب الله" و"المستقبل" على تقديم الخدمات وتوزيع المازوت، مؤونة للشتاء الجردي القارس. لكن هذه المساعدات غالباً ما تثير التنافس والتحاسد والخلافات بين أبناء البلدة. ■ المزارع... روايات وخرافات قصص وروايات كثيرة يتناقلها المجتمع الشبعاويّ في مجالس أهله. قصص تاريخية وبعضها أسطوري عن نشوء البلدة وروّادها الأوائل من "المكاريّين" (مهرّبي البضائع) والهاربين قبل قرون من أحكام قضائية من فلسطين أو سورية أو لبنان. روايات تعيد شبعا الى السنين والقرون الغابرة، حين كانت حقولها ومزارعها أراض تزرع بالحبوب والتبغ الذي كان ينقله المهرّبون على البغال الى سوريا وفلسطين. بقيت أعمال التهريب حتى الماضي القريب قبل أن تحتل إسرائيل الجولان السوري ومزارع شبعا بعده على دفعات وتحكم قبضتها على جبل الشيخ. عمل الكثيرون من كبار السنّ اليوم في تهريب البضائع الى فلسطين وسوريا، وتهريب القمح من حوران الى لبنان، والسمن الحموي من سوريا الى فلسطين. امتهنوا التهريب والهرب من الهجّانة ودوريات حرس الحدود، ووقع بعضهم في قبضتهم وسجن لشهور أو سنوات. أما مزارع شبعا التي تحتلها اسرائيل اليوم ويقدّمها "حزب الله" ذريعة أساسية لاستمراره في حمل السلاح خارج إطار الدولة، فلم تكن متداولة في أحاديث أهالي شبعا لفترة طويلة من الزمن، إلا في وصفها مرتعاً لرجال المخابرات السورية الذين كانوا يروّعون المزارعين والرعاة ويبتزونهم، ويقتادونهم الى حضائر يقومون بتعذيبهم فيها، بوصفهم جواسيس للعدو ومهرّبين. لكن المزارع نفسها صارت اليوم مادة في أحاديثهم أمام الغرباء، للتأكيد على لبنانيتها من جهة، ولاستعادة ذكريات قضوها في أنحائها تعزّز حميميتها أساطير دينية وحوادث خرافية، كالحديث عن حوادث غريبة حدثت لأشخاص قرب مزار النبي ابراهيم المعروف بـ"مشهد الطير" في المزارع. ومن الحوادث الخرافية، رواية ظهور امرأة نصفها ثعبان، أو سماع أصوات حشرجات في الليل وأعراس كثيرة لجنيات يشربون القهوة بقشور البيض. كما تحضر المزارع في روايات الأهالي عن حقول الزيتون المزمنة التي عملوا فيها وشيّدوا بيوتاً في المزارع قرب آبار يقولون إنها تعود لعهود الرومان كحقول الزيتون فكانوا يقضون في البيوت هذه شتاءاتهم هرباً من الصقيع والبرد القارس في بلدتهم شبعا. تعدّدت الروايات والخرافات إلا أنّ الواقع واحد... شبعا معزولة ومنسية لولا مزارعها. هادي السبع أعين – لبنان الآن الموضوع المرتبط التالي >> |