• ×
الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 | 02:33 صباحاً
Helene

صورة طبق الأصل عن وطن متروك!

أقطن في مبنى من خمسة طوابق، وكل طابق فيه شقتان، أي أن عدد شاغليه عشر عيل، تنتمي بمعظمها إلى طبقة تُعتبر بالمفهوم المجتمعي متعلمة ولدى أفرادها ثقافة فوق المعدّل الوسطي، ويتمتعون بأخلاق عالية ويحترمون حسن الجوار، ويغارون على بعضهم البعض، ويحرصون على عدم التسبب بما يزعج الآخرين، إلاّ في ما ندر ولأسباب خارجة عن إرادتهم.

وعلى رغم ذلك، حصل أمرٌ منذ أيام، وهو يثير الإستغراب، ولكن له دلالات تتعلق بعمق ما يتمتع به اللبناني من فردية التصرّف، ومحاولة ترك مسؤولية أي عمل للآخرين، ورميه عليهم، من دون أن يكون لهم مساهمات في معالجة ما يترتب عن أي تصرّف غير مقصود أو هو من تأثيرات عوامل الطبيعة أو خارجة عن تحكّم الإنسان بها.

ما حصل أن لدى أحد الجيران هرًّا معتادًا على الخروج والدخول إلى المنزل من دون حسيب أو رقيب، وهو "يستقبل" في الليالي، وعند مدخل المبنى، هررة غير أليفة، أي أن لا أصحاب لها، ويقال عنها بالعربي الدارج "بسينات داشرة". وبعد ساعات من الهرج والمرج والمواء المتواصل ترك هؤلاء "الزوار وراءهم مخلفات غير نظيفة أمام المدخل وعلى الدرج.

مغزى القصة أن هذه "المخلفات" بقيت كما هي أيامًا عدة من دون أن يتبرّع أحدٌ من الجيران، وأنا واحدٌ منهم، بإزالة هذه القاذورات، ونكتفي بالتأفف ورمي كرة المسؤولية على الآخرين، من دون أن نمدّ أيدينا ونزيل عن مدخل المبنى الذي نسكن فيه ما تركته الهررة وراءها من مخلفات وآثار تجعل من عملية الدخول والخروج من البوابة الرئيسية عملية شاقة.

إنها صورة طبق الأصل عن واقع بلدنا الذي يشبه كثيرًا هذا المبنى، الذي تركه أهله مهملًا، متكلًا كل واحد منهم على الآخر لإزالة الأوساخ من أمامه، التي بقيت إلى أن أتى عمال التنظيفات، فكنسوا وشطفوا وأزالوا ما خلفتّه الهررة.

قديمًا قيل إذا نظّف كل واحد أمام منزله أو محله يصبح الشارع كله نظيفًا. أمّا إذا بقيت الأوساخ أمام المنازل "فستأكل الجيًة" كل الشارع والساكنين فيه ومن يمرّ به.

ما نحتاج إليه في "وطن الأرز" بسيط للغاية لكي يصبح هذا البلد مستحّقًا العيش فيه براحة بال وطمأنينة، وهذا ما يجعل منه عن حقّ "سويسرا الشرق" بالفعل وليس فقط بالقول.

الأمر البسيط والبديهي يكون بأن يتحمّل كل مواطن مسؤوليته عن جدارة وإستحقاق، فلا ترمي الحكومة مسؤولية عجزها على المجلس النيابي، ولا يعود هذا الأخير يتلطى وراء حجج واهية للتهرب من تحمّل المسؤولية.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الموظف الذي لا يقوم بواجباته على خير ما يرام. وإذا حصل خطأ ما في مكان ما ترمى التبعات دائمًا على الآخرين، وهم في أغلب الأحيان مجهولون أو ينتمون إلى فئة الأشباح.

فالحق في لبنان دائمًا على "الطليان"، إذ أن لا أحد على إستعداد للإعتراف بخطأه أو أقله لا أحد يحاول أن يصحّح هذا الخطأ. وبذلك تتراكم المشكلات، بحيث تصبح الحلول مستعصية ومستحيلة.

وما دام الوضع على هذا النحو من عدم تحمّل أحد مسؤولية ما يحصل من تجاوزات سيبقى الوطن مجرد مبنى يتحّول مدخله إلى مجمع قاذورات.
 0  0  79

جميع الحقوق محفوظة - يا بيروت - 2017

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

Developed By IDC sarl