Menu

عيتاني

عيتاني

أولًا: مقدمة في نسب آل بيهم، الحص، العيتاني وجذورهم التاريخية:

تعتبر أسرة بيهم والحص والعيتاني أسرة واحدة، وهي من الأسر البيروتية العريقة، وهي من الأسر العربية المغاربية من النسب الشريف، حيث تعود بجذورها إلى الدوحة المحمدية إلى آل البيت النبوي الشريف. وهي تعتبر منذ مجيئها إلى بيروت المحروسة في العصور الوسطى إلى اليوم، في مقدّمة الأسر البيروتية البارزة التي قامت بدور بارز في الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والخيرية والعلمية والإنسانية وسواها، وأسهمت في الفتوحات العربية والإسلامية منذ انطلاقتها من شبه الجزيرة العربية، ومن ثمّ من بلاد المغرب.

إنّ الوثائق البيروتية واللبنانية والعربية والعثمانية،فضلًا عن الوثائق القنصلية الأوروبية، وفي مقدمتها الوثائق والتقارير الفرنسية والبريطانية، تؤكّد بأنّ وجهاء وأعيان آل بيهم والحص والعيتاني كانوا من أقدم الأسر البيروتية واللبنانية وكانوا في مقدمة الأسر البيروتية التي تولّت مختلف المناصب والمسؤوليات الكبرى لا حبًا في زيادة الجاه، بل تطلعًا لخدمة المجتمع البيروتي واللبناني والعثماني. وفي الوقت نفسه، فإنّ أفراد آل عيتاني كانوا باستمرار يواجهون بكلّ جرأة أخطاء الحكام والولاة العثمانيين والفرنسيين واللبنانيين، فقد جمع أفراد هذه الأسرة العريقة عدّة صفات وخصائص منها:

  • النسب الأصيل والشريف.
  • الأخلاق الحميدة والثوابت والقيم والمثل العليا.
  • العمل الخيري والإنساني والاجتماعي.
  • تشجيع وتقدير العلم والعلماء.
  • الإيمان بالمؤسسات الرسمية والخاصة ودعمها.
  • رفض الطائفية والمذهبية والإيمان بالعيش المشترك.
  • الإيمان بالأعمال التجارية الحرّة والشريفة.
  • الاندماج في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لخدمة أبناء المجتمع.
  • الإيمان بالأعمال التطوعية الخيرية.
  • التواضع اللافت للنظر بالرغم من أنّ أفراد الأسرة كانوا من أغنى الأفراد في الدولة العثمانية، وبالرغم من توليهم أعلى المناصب.
  • بالرغم من أنّ الأسرة كانت من الطبقات الأرستقراطية، وبالرغم من أنّ أفرادها كانوا “أفندية” و “عمدة التجار” و “بكوات” و “أصحاب السعادة” و “أصحاب المعالي” و “أصحاب الدولة” وهم “السادات بيهم”، غير أنّهم كانوا أقرب الناس إلى الناس، وكانوا أكثر الناس حبًا وعطفًا على الناس، وكانوا أكرم الناس، وأكثرهم حبًا للعلم وللعلماء، وأكثرهم تشجيعًا على الإقبال على العلم، وأكثرهم تحسسًا بواقع المعوزين والمحتاجين. لهذا، فقد اعتبروا العائلة الأولى ليس في بيروت فحسب، وإنّما في لبنان، بل هم من العائلات الأولى في العالم العربي.

وبكلمة موجزة، فإنّ أعمال وإنجازات وإسهامات آل بيهم – الحص – العيتاني منذ مئات السنين إلى القرن الحادي والعشرين تدلّ عليهم، فأينما توجه البيروتي واللبناني في شوارع ومناطق بيروت، فإنّه يرى إنجازًا أو إسهامًا أو معلمًا دينيًا أو تربويًا أو إنشائيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا لأحد أفراد الأسرة. لهذا، فإنّ ما منطقة إلا وفيها شارع باسم أفراد من “آل بيهم أو الحص أو العيتاني”، حتى إنّ شارع السادات هو نسبة “للسادات بيهم”، فضلًا عن شارع عبد الله بيهم، وشارع محمد علي بيهم، وشارع أحمد مختار بيهم، وشارع حسين بيهم، وشارع عمر بيهم، وشارع أمين بيهم وكلهم من الدوحة العيتانية. وبالمناسبة فإنّي أعترف كمؤرّخ وباحث في تاريخ بيروت المحروسة، بأنّ أسرة آل عيتاني الكريمة لا تحتاج فحسب إلى كتاب يؤرّخ لتاريخها وإسهاماتها، بل إنّها تحتاج إلى مجلدات تاريخية لكثرة تلك الإسهامات والإنجازات. بل إنّ بعض أعيانها ووجهائها يحتاج كل واحد منهم إلى مجلّد تاريخي.

ثانيًا: رجالات آل بيهم العيتاني في التاريخ:

آل بيهم من الأسر الإسلامية البيروتية العريقة، تعود بجذورها وأصولها إلى قبائل شبه الجزيرة العربية لا سيّما قبيلة بني العيتاني (العيثاني) وهي من القبائل المنسوبة لآل البيت النبوي الشريف لا سيّما إلى الإمام الحسن (رضي الله عنه) (جامع الدرر البهية، ص 62). وما تزال قبيلة وأفخاذ بني العيتاني منتشرة في الخليج العربي والمغرب العربي.

ومن المعروف أنّ قبيلة بني العيتاني، أسهمت في فتوحات مصر وبلاد الشام والعراق والمغرب العربي والأندلس، لهذا فإنّ فروع آل العيتاني ما تزال منتشرة في تلك البلاد، ونظرًا للأخطار التي واجهت بلاد الشام في العصور الوسطى لا سيّما من قبل الحملات الصليبية، لهذا توجه الكثير من المغاربة، ومن بينهم قبائل العيتاني وفروعها للإسهام في الدفاع والرباط عن بلاد الشام وفي مقدمتها بيروت المحروسة، وقد أشار الرحالة ابن جبير في رحلته عن دور المغاربة في بلاد الشام في تلك المرحلة التاريخية، وقد اعتبر المغاربة – كسواهم – من أنّ المشاركة في الرباط هو واجب شرعي.

ولا بد من الإشارة، إلى أنّ نهاية العهد المملوكي وبداية العهد العثماني شهد المزيد من نزوح العائلات المغربية من بلاد المغرب إلى مصر وبلاد الشام لا سيّما بعد سقوط الأندلس عام 1492 م بيد الإسبان. والحقيقة، فإنّ المصادر التاريخية المعاصرة للعهد العثماني، ووثائق سجلات المحكمة الشرعية في بيروت أشارت إلى أنّ أسرة بيهم هي فرع من أسرة العيتاني، وهكذا أسرة الحص والعديد من الأسر البيروتية الأخرى.

ولقد برزت عائلة بيهم والحص والعيتاني في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ قرون عديدة، فإنّ أمير الماء أو الأميرال إبراهيم العيتاني – قبودان باشا – قد ولّاه السلطان سليمان القانوني في القرن السادس عشر قيادة قسم من الأسطول العثماني. ثمّ أصبح إبراهيم باشا أشهر الذين تولوا الصدارة العظمى في السلطنة العثمانية وذلك في 13 شعبان عام 929ه – 1523م. وقد تولّى الحصار الأول لمدينة فيينا في مطلع عام 936ه-1529م، غير أنّه أعدم في رمضان عام 948ه-1542م. هذا بالإضافة إلى أنّ مكانة الحاج نجيب بيهم العيتاني دعت البابا “لاون” لأن يستقبله ويجتمع به في اجتماع خاص.

والحقيقة أنّ أسرة بيهم هي فرع من آل العيتاني إحدى أهم الأسر البيروتية، وتشير إحدى وثائق محمد جميل بيهم إلى أنّ الواقف إبراهيم بن خليل العيتاني كان من أعيان مدينة بيروت في القرن الثامن عشر.

وبذكر المهتمون في تاريخ الأنساب أنّ أسرة العيتاني من الأسر التي نزحت من المغرب إلى بيروت في أعقاب جلاء الأسر الإسلامية عن الأندلس. وقد انفصلت أسرة بيهم عن أسرة العيتاني في أواخر القرن التاسع عشر، وبالذات في عهد حسين بيهم العيتاني بن ناصر بن محيي الدين العيتاني. ولهذا الانفصال قصة اجتماعية مرتبطة بمآثر العائلة، وهي أنّ حسين المذكور كان كريمًا مضيافًا يحسن إلى الفقراء والمعوزين ويوزع أموالًا عليهم. ومن أجل ذلك لقّبه الناس وقتذاك بلقب “أبي الفقراء”، وأصبح الناس يشيرون إلى هؤلاء الفقراء والمعوزين على أنّ حسين بك هو “بيهم” أي والدهم. ومنذ ذلك التاريخ بدأ هذا الفرع من العائلة يأخذ اللقب الجديد “بيهم” منفصلًا بالتدريج عن اسم العائلة الأم “العيتاني”.

هذا وقد أنجب حسين بيهم العيتاني ستة أبناء هم السادات: ناصر، محمد، يوسف، عمر، مصطفى، وعبد الله. وكان يوسف من ألمع هؤلاء، إذ أنّ تجارته الواسعة جعلته على صلة وثيقة بالأمراء والمقدمين والمشايخ اللبنانيين. ولما انتشر وباء الكوليرا في عهد الأمير بشير الشهابي الكبير، توجه يوسف بيهم مع عائلته إلى منطقة “عين عنوب” الجبلية، وإذ يفاجئ أهل المنطقة بقافلة كبيرة تدخل القرية، وكان دليلها يسأل عن منزل آل بيهم، فإذا بالقافلة محمّلة بشتّى المؤن مهداة من الأمير بشير إلى أسرة بيهم النازلة في رحابه في الجبل.

وكان لهذه الحادثة وقع وأثر مهم في توطيد العلاقة بين آل بيهم العيتاني وبين الأسرة الشهابية. وكثيرًا ما تبودلت الرسائل بين مصطفى بيهم العيتاني – جد المؤرّخ محمد جميل بيهم –  وبين الأمراء الشهابيين وسواهم من أمراء الجبل. والحقيقة فإنّ أسرة بيهم العيتاني قامت بدور مهم في أحداث 1860، إذ ساهمت في إخماد الفكر الطائفي، كما كان لها دور بارز في حماية المسيحيين في بيروت، وقد تولى هذا الأمر بالذات عمر أفندي بيهم العيتاني. وكان عمر بيهم العيتاني رئيس مجلس الشورى في عهد الحكم المصري 1831-1840، وكان الوجه الأول في مدينة بيروت، ورغم ذلك فقد كان مشهورًا بتواضعه. ولمّا سجن الشيخ سعيد جنبلاط في بيروت في أعقاب أحداث 1860 تولّى مصطفى بيهم العيتاني رعايته في سجنه.

اشتهرت أسرة بيهم بالعمل التجاري، غير أنّ بعض رجالها أظهروا ميلًا للسياسة والثقافة والأدب، ففي القرن التساع عشر ظهر منهم بالإضافة إلى حسين وابنيه عمر ومصطفى المفكر حسن بيهم العيتاني الذي شارك في تأسيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية عام 1295ه-1878م، بالتعاون مع الشيخ عبد القادر قباني وبعض رجالات المسلمين. كما شارك حسن بيهم ومحيي الدين بيعم العيتاني (1858-1925) باستقبال الإمبراطور الألماني غليوم الثاني أثناء مروره في بيروت عام 1898، باعتبارهما من أعيان بيروت، وذلك جنبًا إلى جنب مع ميشال أفندي إده مدير الأمور الأجنبية، والشيخ عبد القادر قباني رئيس بلدية بيروت، وحبيب باشا السعد، والكونت فيليب دي طرازي وسواهم.

هذا وقد انصرف فريق من آل بيهم العيتاني لخدمة المجتمع، فأبلوا بلاءً حسنًا في القضايا العربية والإنسانية والاجتماعية، فأحمد مختار بيهم كان من الرعيل الأول الذي اشتغل في قضايا الاستقلال. وكان حسين بيهم والد مختار رئيسًا للجمعية العلمية السورية التي اعتبرت نواة المجتمع العلمي، كما كان شديد الصلة بالأمير عبد القادر الجزائري، وبشريف مكة عبد المطلب، الذي جرى بينهما تعاون وثيق من أجل استقلال العرب عن الدولة العثمانية. غير أنّه من الأهمية أن نذكر أنّ بعض وجهاء آل بيهم العيتاني كانوا عثمانيو السياسة، فبعد ظهور حركة سرية في بيروت وتوزيعها المناشير المعادية للأتراك ذكر القنصل الفرنسي العام في سوريا أنّ عائلة بيهم العيتاني البيروتية أرسلت إلى الوالي رسالة موقعة من وجهائها تدين ما جاء في المناشير في “أفكار هدامة وتدعو لملاحقة صارمة لهذه الألاعيب المجرمة”.

برز من أسرة العيتاني العديد من رجالاتها، منهم على سبيل المثال:

  • برز في العهد العثماني من آل بيهم السيّد حسين بن ناصر محيي الدين العيتاني وهو غير الحاج حسين بن عمر بيهم الأديب والشاعر والوجيه. كما برز أولاده من زواجه من السيّدة صالحة قرنفل وهم السادة: محمد، يوسف، عمر، ناصر، مصطفى، وعبد الله والسيّدة خديجة.
  • وبرز من أسرة بيهم العيتاني في العهد العثماني العديد من وجوه التجار ووجهاء المجتمع البيروتي والعثماني، منهم على سبيل المثال السادة: الحاج نجيب بيهم العيتاني. كما برز الوجيه عمر بن حسين بيهم العيتاني الأول من أعيان بيروت المشهورين بكثرة تواضعهم ومن كبار وجهائها في القرن التاسع عشر، وكان عمدة للتجار في بيروت المحروسة، وأصبح رئيسًا لمجلس الشورى في فترة الحكم المصري لبلاد الشام (1831-1840). وكان لقبه علم 1259ه-1843م حسب سجلات المحكمة الشرعية في بيروت “عمدة التجار عمر جلبي بن الحاج حسين بيهم العيتاني”. قام عمر بيهم بدور مشكور في إخماد الفتنة الطائفية التي قامت في جبل لبنان عام 1860. كما برز شقيقه الحاج عبد الله بيهم، وقد ورد في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت أيضًا معلومات عن الأخوين الشقيقين بأنّهما “عمدة التجار المعتبرين الأخوين الشقيقين السيّد عمر والحاج عبد الله ولدي المرحوم السيّد حسين بيهم العيتاني…”. وممّا يلاحظ من خلال معاملات الشراء العديدة لصالح الشقيقين السيّد عمر والحاج عبد الله بيهم أنّهما كانا من الموسرين الأثرياء والوجهاء في آنٍ معًا. (أنظر: السجل 1259ه-1843م) عدّة صفحات والواردة في كتابنا: التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بيروت والولايات العثمانية، ص 100-101، 174، 180، 183، 216، 240، 244-245، 260-261، 301-302، 311، 327، 333…). وممّا يلاحظ بأنّ مفتي بيروت الشيخ عبد اللطيف فتح الله (1766-1844) قد أشار في ديوانه، الجزء الأول، (ص 532) إلى السيّدين يوسف وعمر ولدا المرحوم الحاج حسين بيهم العيتاني. كما جاء في الصحيفة (8-9) من السجل 1259ه-1843م من سجلات المحكمة الشرعية في بيروت إلى “افتخار التجار المعتبرين السيّد مصطفى ابن المرحوم السيّد حسين بيهم العيتاني” وهو جد المؤرّخ العلّامة محمد جميل بيهم (1887-1978). (د. حسان حلاق: أوقاف المسلمين في بيروت في العهد العثماني، ص 152).

ونظرًا لأهمية آل بيهم في الميدان الاقتصادي والتجاري، فقد أشار القنصل الفرنسي في بيروت المحروسة هنري غيز في 15 كانون الثاني 1827 في تقرير قنصلي صادر من بيروت إلى وزير خارجيته في باريس، بأنّ الحاج يوسف بيهم العيتاني يعتبر من التجار المعتبرين البارزين مع السادة إخوته. وبما أنّه كان أحد وجهاء وتجار بيروت، وبمناسبة توجهه إلى دمشق عام 1817، فقد قال فيه شعرًا الشيخ القاضي أحمد الأغر (1783-1858) مفتي بيروت فيما بعد جاء فيه:

توجَّه نحو جِلَّق في سرورٍ           فبابُ الله فيها والسلامُ

وترجع رابحًا دينًا ودنيا              بسعد ثمّ عزَّ لا تُضامُ

  • كما برز من الأسرة شقيقه عمر بن حسين بيهم العيتاني الذي برز في العهد العثماني، لا سيّما في فترة الحكم المصري لبيروت وبلاد الشام بين أعوام (1831-1840)، فقد عيّن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا محمود نامي بك جركس متسلمًا (محافظًا) على بيروت المحروسة، كم شكّل مجلس شورى بيروت من اثني عشر عضوًا مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين ستة من المسلمين وهم السادة:

عمر بيهم العيتاني، عبد الفتاح آغا حمادة (متسلم بيروت فيما بعد) أحمد العريس، حسن البربير، أمين رمضان، أحمد جلول. وستة من المسيحيين وهم السادة: جبرائيل حمصي، بشارة نصرالله، الياس منسى، ناصيف مطر، يوسف عيروت، وموسى بسترس.

وكما سبق للشيخ القاضي أحمد الأغر أن نظّم شعرًا في شقيقه الحاج يوسف بيهم، فقد نظّم شعرًا في عمر بيهم جاء فيه:

أنت الضياء يا عمر                في كلّ وقت للبصر

لك الكمال شاهد            يكفيك ما قال القمر

إن غبت عنكم فابشروا      خليفتي فيكم عمر

(ديوان أحمد الأغر).

تزوج عمر بك بيهم العيتاني من إحدى قريبات والدته، وهي السيّدة خديجة قرنفل، وأنجب منها السادة والسيّدات: محيي الدين، حسين، عائشة، أسماء، وسعدى. وقد برز الأنجال والكريمات في ميادين البرّ والإحسان والعلم والكرم والأوقاف الإسلامية، وممّا يلاحظ بأنّ السيّد محيي الدين بن عمر بيهم العيتاني قد تولى مناصب إدارية وعلمية عديدة منها عضوية “مجلس إدارة لواء بيروت” و “رئاسة شعبة المعارف” وعضوية “مجلس كبير فوق العادة” عام 1860 الذي تولّى التحقيق في أحداث عام 1860 في جبل لبنان بناءً على طلب القائد فؤاد باشا. كما كان محيي الدين بك بيهم مقرّبًا من والي بيروت نصوحي بك، وقد عهد إليه الأشراف على تجديد مقام النبي يحيى (عليه السلام) في الجامع العمري الكبير.

  • تولّى السيّد محيي الدين بيهم العيتاني رئاسة مجلس بلدية بيروت بين أعوام 1877-1888، ثمّ استقال احتجاجًا على ضرائب البلدية المفروضة على الفقراء. وقد بادر بدفع قيمة هذه الضرائب للفقراء من جيبه الخاص، ثمّ رفض فيما بعد تولي مناصب رسمية مفضلًا العمل الخيري والإنساني والاجتماعي إلى أن توفاه الله عام 1904. كما برز شقيقه السيّد مصطفى حسين بيهم بن ناصر الذي أنجب السادة: عبد الرحمن وعبد الغني ومحمد (والد العلّامة المؤرّخ محمد جميل بيهم وعادل وعفيف بيهم وخير الدين).
  • وبرز من أنجال السيّد حسين بن ناصر بيهم العيتاني الأول السيّد عبد الله الذي أنجب السادة والسيدات: خليل، محمد، عبد القادر، عثمان، نجيب، والحاجة صفية والحاجة رقية والحاجة أمينة. وقد عمل عبد الله في ميدان التجارة كوالده وأشقاؤه، وازدهرت تجارته، فأنشأ عام 1850 قصرًا ورد ذكره في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، وذلك في محلة باب إدريس. وهذه الدار – القصر حلّ فيها الأمير عبد القادر الجزائري ضيفًا عندما وصل إلى بيروت عام 1856، وقد اشترته الدولة الفرنسية عام 1911، ليستقر المعهد الفرنسي للآثار. وما يزال هذا القصر قائمًا تجاه مبنى ستاركو قريبًا من الأسواق التجارية، وقد اعتني به، وتمّ ترميمه.

وممّا يجب ذكره، بأنّ البيروتيين تقاطروا من كل حدب وصوب إلى قصر عبد الله بيهم العيتاني للترحيب بالأمير عبد القادر الجزائري، كما شهد محمد بن عبد الله بيهم تقاطر الشعراء إلى القصر لتكريم الأمير عبد القادر الجزائري ومدحه، ومن بين هؤلاء العلامة الشاعر الشيخ القاضي أبو الحسن قاسم الكستي.

وفي هذا القصر المنيف تمّ الاحتفال بزفاف عبد الرحيم نجل عبد القادر بيهم وحفيد عبد الله بيهم على كريمة الأمير محيي الدين الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري. وفيه أيضًا تمّ الاحتفال بخطبة عادلة عبد الرحيم بيهم إلى الأمير مختار الجزائري.

ومن الأهمية بمكان القول، بأنّ السيّد عبد الله بيهم العيتاني، كان قد تولى عام 1860 رئاسة “مجلس التجارة” في بيروت المحروسة، في حارة محمود نامي بك تجاه خان السيّد (السيّد عبد الفتاح آغا حماده) في المرفأ. وكان مسؤولًا عن شؤون التجار في بيروت، والعمل على حلّ المنازعات فيما بينهم، ومتابعة مصالحهم.

لقد كان لعبد الله بيهم وللكثير من آل بيهم مواقف نبيلة من نصارى جبل لبنان لا سيّما أبان الفتن الطائفية بين أعوام 1840-1860. وقد أشار الأديب خليل الخوري منوهًا بمواقف المسلمين البيارتة لحماية المسيحيين النازحين من الجبل. وممّا قاله:

“وهنا نثني على جانب العلامة الشيخ محمد الحوت صاحب البرّ والفضل الشهير الذي لا يفتر عن الأنذار بالخير والصلاح… كما أنّنا لا ننكر فضل جناب العلّامة الشيخ عبد الله خالد، وجناب السيّد عبد الله أفندي بيهم رئيس مجلس التجارة، وجناب السيّد محمد البربير مع المتميزين من وجوه الإسلام الذين مارسوا أُبَّهتهم بكلّ ما يوطّد الألفة والمحبة بين الجميع” (حديقة الأخبار، أيار 1860، العدد 127) وممّا يجب ذكره، بأنّ السيّد عبد الله بيهم ترأس أوّل مجلس بلدي في بيروت المحروسة عام 1864، وقد شهدت بيروت في عهده تطورًا اجتماعيًا وصحيًا وبيئيًا وإنشائيًا ومعماريًا. استمر عاملًا طيلة حياته من أجل بيروت والبيارتة – كعادة آل بيهم العيتاني في الخدمة العامة – إلى أن توفاه الله عزّ وجلّ في شهر ذي الحجة 1303 ه – أيلول 1886م. ووفاءً وتقديرًا لأعماله الجليلة فقد قام أنجاله طيلة أربعين يومًا بعد وفاته بالإنفاق عن روحه الطاهرة في وجوه البرّ والإحسان على الفقراء والمحتاجين، فضلًا عن تلاوة القرآن الكريم في المساجد والزوايا البيروتية.

ويذكر بأنّ السيّد عبد الله بيهم العيتاني قد أوصى قبل وفاته ببناء مسجد في منطقة عين المريسة، وبالفعل، فقد قام نجله محمد بن الحاج عبد الله بيهم بشراء الأرض من ماله الخاص، متعاونًا مع الشيخ محمد علايا والشيخ محمد الهبري بين عامي 1886-1887، وقد احتفل عام 1887 بإفتتاح المسجد وأداء الشعائر الدينية، وتلي المولد النبوي الشريف. وبالمناسبة، فقد استقدم الشيخ سلامة حجازي مع بقية المنشدين من مصر المحروسة خصيصًا لهذه المناسبة (صحيفة بيروت، تشرين الأول 1886 العدد 63، وآذار 1887 العدد 106، وتشرين الثاني 1887 العدد 175، وعبد اللطيف فاخوري: محمد عبد الله بيهم، ص 90).

  • ومن الأهمية بمكان القول، بأنّ أولاد الحاج عبد الله بيهم العيتاني السادات: محمد، عبد القادر، عثمان، ونجيب ساروا على درب والدهم في أعمال البر والإحسان، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وتشجيع البيارتة على طلب العلم. والجدير بذكره، أنّ حسن بيهم بن عبد القادر بيهم حفيد الحاج عبد الله بيهم كان أحد مؤسّسي جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت عام 1878. بينما تولى نجيب ابن الحاج عبد الله بيهم المتوفى عام 1899 رئاسة غرفة تجارة بيروت عام 1887 (رئيس أوده تجارة بيروت)، وهو اجتمع مع البابا (Leon 13) الذي تولى البابوية بين أعوام 1878-1903، واعتبر الاجتماع في حينه اجتماعًا مميّزًا واستثنائيًا بين رأس الكنيسة الكاثوليكية وأحد أعيان ووجوه المسلمين البيارتة من آل بيهم. كما كان عثمان بيهم ابن الحاج عبد اللع بيهم أحد وجوه بيروت المحروسة البارزين، وهو والد عبد الله بيهم أمين سر الدولة عام 1934-1936، و1939-1941، وعام 1943 (أول رئيس وزراء مسلم في لبنان) في أول حكومة عهد الرئيس حبيب باشا السعد، ووالد السادات: نور الدين وصلاح وزين والسيّدة وداد عقيلة السيّد حسن القاضي (د. حسان حلاق: تاريخ لبنان المعاصر 1913-1952، ص 150، 178).

وهكذا، يلاحظ من خلال دراسة سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، ومن خلال الوثائق والمصادر المعاصرة، بأنّ الحاج حسين بيهم العيتاني الأول المتوفى قبل عام 1843م – حسب سجلات المحكمة الشرعية في بيروت – كان من أبرز الوجوه البيروتية والعثمانية. كما برز في أواخر القرن التاسع عشر عزتلو محمد أفندي بن الحاج عبد الله بن الحاج حسين بيهم رئيس مجلس بلدية بيروت استنادًا إلى السجل 1314-1316ه – حوالي عام 1893م، ص 33، من سجلات المحكمة الشرعية في بيروت.

  • هذا، وقد شهدت بيروت المحروسة الحاج حسين بيهم العيتاني الثاني (1833-1881) نجل عمدة التجار المعتبرين السيّد عمر بن الحاج حسين بن ناصر بن محيي الدين العيتاني، وهو فضلًا من أنّه كان أحد كبار التجار والوجهاء في بيروت، فقد كان أديبًا وشاعرًا، تعلّم على الشيخين العالمين محمد الحوت وعبد الله خالد. رثر الحاج حسين بيهم العيتاني، أستاذه العلّامة الشيخ محمد الحوت (1795-1860) ونظّم قصيدة (من أصل ديوان مخطوط) يقول في مطلعها:

مصيبتنا في سيّد الرُسل أعظمُ       وتسليمنُنا فيما قضى الله أسلمُ

وهذا مصير العالمين جميعهم       وهذا مراد الله في الخلق فاعلموا

سيّدات آل بيهم العيتاني:

والجدير بالذكر، بأنّ سيّدات آل بيهم حرصنّ بدورهنّ على الاقتداء بالآباء والأجداد في الاشتغال بالأعمال الخيرية والإنسانية والاجتماعية والدينية والوقفية، لذلك سنذكر نماذج وأمثلة عن عطاءات سيّدات آل بيهم منها:

  • إعلان الحاجة خديجة بنت الحاج حسين بيهم بن ناصر بن محيي الدين بيهم العيتاني عام 1293ه، أملاكها النصف على مقام الإمام الأوزاعي (رضي الله عنه) خارج بيروت لإقامة الصلاة وذكر الله، والنصف على مسجد زقاق البلاط. كما وقفت نصف دكان على وجوه البرّ والصدقة بما يراه الناظر على الوقف السيّد محيي الدين بن عمر بيهم العيتاني.
  • تبرع الحاجة أسماء بنت عمر بن حسين بيهم بن ناصر بيهم العيتاني عام 1306ه بأرض جامع البسطة الفوقا، وتبرّع شقيقها الحاج محيي الدين بيهم بنفقات إنشاء وبناء وتأثيث الجامع.
  • إعلان الحاجة سعدى بنت عمر بيهم زوجة الحاج محمد عبد الله بيهم العيتاني عام 1322ه وقفها غايته “تعليم الأولاد المسلمين من أي بلد كانوا العلوم الدينية أولًا، ثمّ سائر العلوم التي يجوز تعلمها وتحصيلها شرعًا في المدارس الإسلامية…وإذا انقطعت الرغبة عن التعليم يعود وقفًا على الحرمين الشريفين حرسهما الله تعالى…” وذلك الوقف كامل قطعة الأرض المشتملة على ستة وعشرين دكانًا الكائنة في محلة الفاخورة القريبة من مرفأ بيروت وسوق الفشخة وزقاق الحشائش وسوق أياس… (السجل 1321-1322 ه رقم (240)، السجل 1305-1308ه، رقم (533) 3 شعبان 1306 ه، السجل 1293-1295 ه رقم (47) 28 شعبان 1293. مجموعة سجلات المحكمة الشرعية في بيروت).
  • في عام 1914 أسّست السيّدة عادلة بيهم الجزائري (1890-1973) “جمعية يقظة الفتاة العربية” هدفها بث الوعي وتشجيع العلم للفتاة البيروتية واللبنانية والعربية. كما أسهمت عام 1917 في تأسيس “جمعية الأمور الخيرية للفتيات المسلمات”، بدعم ومؤازرة أحمد مختار بيهم، ومحمد الفاخوري وعمر بك الداعوق. كما أسّست فيما بعد “الاتحاد النسائي العربي” وسواه، وأكملت مسيرتها الإنسانية في دمشق، لهذا ما تزال مدرسة باسمها إلى الآن في دمشق. كما كانت السيّدة نازك العابد بيهم (1887-1960) عقيلة العلّامة محمد جميل بيهم إحدى رائدات النهضة النسائية في لبنان وسورية.

وممّا يلاحظ بأنّ هذه الأسرة البيروتية العريقة تأثر دورها في المجتمع البيروتي واللبناني كثيرًا بعدّة عوامل خاصة في دورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي لا سيّما بعد عام 1975 حتى اليوم، ومن بين هذه العوامل:

أسرة الحص العيتاني: نسب شريف وإسهامات

في تأسيس المقاصد

ونائب منها ورئيس للوزراء

من الأسر الإسلامية البيروتية العريقة، تعود بجذورها إلى قبائل شبه الجزيرة العربية لا سيّما قبيلة بني العيتاني (العيثاني) وهي من القبائل المنسوبة لآل البيت النبوي الشريف لا سيّما إلى الإمام الحسن رضي الله عنه.

وما تزال قبيلة وأفخاذ بني العيتاني منتشرة في اليمن ودول الخليج العربي والمغرب العربي.

وبما أنّ أسرة الحص هي في الأصل فرع من آل العيتاني، فقد أسهم أجداد الأسرة في فتوحات مصر وبلاد الشام والعراق والمغرب العربي والأندلس. ونظرًا لاشتداد الحملات الصليبية على بيروت المحروسة وبلاد الشام في العصور الوسطى، لهذا بادر المغاربة، ومن بينهم بني العيتاني وفروعها للإسهام في الدفاع عن بلاد الشام وحماية الثغور، وفي مقدمتها بيروت المحروسة، وقد أشارت المصادر المعاصرة، ومن بينها الرحالة المؤرّخ والجغرافي ابن جبير إلى دور المغاربة في الدفاع عن بلاد الشام.

وما الأهمية بمكان القول، بأنّ بيروت المحروسة وبلاد الشام والإسكندرية وسواها شهدت المزيد من هجرة الأسر المغاربية في العهدين المملوكي والعثماني لا سيّما بعد سقوط الأندلس بيد الإسبان عام (1492م).

ولا بدّ من الإشارة، بأنّ المصادر المعاصرة للعهد العثماني، ووثائق سجلات المحكمة الشرعية في بيروت المحروسة، أكّدت على أنّ أسرة الحص وأسرة بيهم من الأسر التي تعود بجذورها إلى الدوحة العيتانية. فقد أشار (السجل 1259ه، ص 95-96) إلى الحاج خليل الحص العيتاني صاحب بستان الحص في حي عين الباشورة. وأشار (السجل نفسه، ص 136) إلى السيّد محمد ابن السيّد إبراهيم أبي خليل الحص العيتاني. كما أشار (السجل نفسه، ص 29-30) إلى دكان الحاج خليل الحص. وأشار (السجل 1302-1303، ص 37 قضية 137) إلى أملاك الحاج خليل ابن السيّد إبراهيم الحص في محلة الجميزة.

ولا بدّ من الإشارة أيضًا بأنّ الدوحة الحصيّة، كدوحة آل بيهم وآل العيتاني، قد أسهمت إسهامًا بارزًا في نهضة وتطوّر بيروت المحروسة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والسياسية، لهذا، فإنّ أحد وجهاء آل الحص في العهد العثماني السيّد خضر الحص قد شارك مشاركة فاعلة في تأسيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت عام (1295ه- 1878م) وخصّص لها مع أسرته أوقافًا عرفت باسم أوقاف الحص. كما أشار (السجل 1259- 1263ه، ص 201) إلى الحاج حسن ابن السيّد علي الحص.

برز من أسرة الحص العديد من الوجهاء والشخصيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من بينها السيّد عبد الفتاح الحص ونجله النائب الأسبق عن بيروت فوزي عبد الفتاح الحص (1910-1966م) من مواليد بيروت عام (1910م)، تلّقى علومه الأولى في المدارس الأجنبية، ثمّ تخصّص في هندسة الطيران وقيادة الطائرات في بريطانيا عام (1930م) بعد عودته إلى بيروت تولّى قسم الميكانيك والصيانة في مطار بيروت، ومثّل لبنان في مؤتمر الطيران الذي عقد في شيكاغو عام (1944م). أسهم عام (1945م) مع الرئيس صائب سلام في تأسيس شركة طيران الشرق الأوسط، وتولّى منصب المدير الفني. في عام (1956م) قام بزيارات عديدة إلى أميركا والبرازيل ودول الخليج العربي لتسويق خطوط طيران جديدة للشركة. عمل في قطاعي الصناعة والتجارة، فأسّس شركتين إحداهما في لبنان والأخرى في الكويت تعملان في قطاع النقل والصيانة. كما أسّس أول نادٍ للفروسية في لبنان.

في عام (1957م) انتخب نائبًا عن بيروت، كان عضوًا في لجنة الإدارة والعدل ورئيسًا للجنة الأشغال، كما شغل منصب أمين سر هيئة مكتب المجلس ومفوضًا فيه. في عام (1960) عاد إلى العمل في القطاع الخاص وفي إدارة أعماله. كانت تربطه صداقة متينة مع الرئيسين كميل شمعون وسامي الصلح، سبقتها  صداقة مع الرئيس صائب سلام.

تأهلّ من السيّدة نعمت هاشم البراج ولهما: لينا وعبد الفتاح ورولا. توفي في 15 نيسان عام 1966م إثر سقوطه عن جواده في نادي الفروسية. وكان لوفاته واقع أليم في الأوساط البيروتية واللبنانية.

كما برز من أسرة الحص السيّد أحمد الحص ونجله الرئيس الدكتور سليم أحمد الحص (1929) من مواليد بيروت في 20 كانون الأول سنة 1929م. تلّقى دروسه الابتدائية في مدرسة المقاصد في بيروت، والتكميلية والثانوية في الجامعة الأميركية. درس إدارة الأعمال ونال فيها شهادة البكالوريوس سنة 1952م. كما نال شهادة ماجستير من الجامعة عينها سنة 1957م. عيّن أستاذًا مساعدًا لتدريس مادة العلوم التجارية في الجامعة الأميركية. وبمساعدة من أستاذه سعيد حمادة نال قرضًا من مؤسسة روكفلر لإتمام الدكتوراه في العلوم التجارية في ولاية إنديانا في الولايات المتحدة، فتخرّج منه سنة 1961م.

بدأ حياته المهنية محاسبًا في شركة التابلين (1952-1954م)، ثمّ انتقل إلى غرفة التجارية سنة (1955م)، فأستاذًا محاضرًا في الجامعة الأميركية، كلية إدارة الأعمال (1955-1969م). كما شغل وظيفة خبير مالي للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية (1964-1966م)، ورئيس لجنة الرقابة على المصارف في لبنان (1967-1873م) بعد أزمة بنك أنترا، ورئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمصرف الوطني للإنماء الصناعي، ورئيس مجلس إدارة المصرف العربي والدولي للاستثمار في باريس، ورئيس لجنة الخبراء العرب المنبثقة عن جامعة الدول العربية، وعضو مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، والمجلس الاستشاري للبنك الدولي.

عيّن مستشارًا لرئيس الجمهورية الياس سركيس سنة 1976م. أعدّ ملفًا عرف بملف الحص يتضمن تقريرًا بالأضرار والخسائر التي أصيب بها لبنان من جرّاء حرب الستين. عُيّن:

  • رئيسًا لمجلس الوزراء، ووزيرًا للاقتصاد والتجارة، ووزيرًا للصناعة والنفط، ووزيرًا للإعلام، في كانون الأول سنة 1976م.
  • رئيسًا لمجلس الوزراء، في تموز سنة 1979م.
  • وزيرًا للعمل والتربية الوطنية والفنون الجميلة، في نيسان سنة 1984م في حكومة الرئيس رشيد كرامي. وعلى أثر اغتيال الرئيس كرامي في الأول من حزيران سنة 1987م، تولى وزير التربية سليم الحص مهام رئاسة الحكومة واستمر حتى ما بعد تكليف العماد ميشال عون رئاستها، في إطار ما عرف أنذاك بعهد “الحكومتين”.
  • رئيسًا لمجلس الوزراء، ووزيرًا للخارجية، ووزيرًا للمغتربين، في كانون الأول سنة 1998م.

انتخب نائبًا عن بيروت في دورة سنة 1992م وفي دورة سنة 1996م، ولم يشارك في عضوية اللجان النيابية. شارك في انتخابات سنة 2000م فلم يوفّق في النجاح، فانكفأ عن ممارسة العمل السياسي، محتفظًا بالعمل الوطني والقومي، فأنشأ وترأس منبر الوحدة الوطنية (القوة الثالثة).

تعرّض في أيلول سنة 1984م لمحاولة اغتيال، فأصيب برضوض طفيفة، في حين قتل أربعة أشخاص.

شارك في خلوات بكفيا، وعمل على إلغاء مراسيم حكومة الرئيس شفيق الوزان، وقاطع حكم أمين الجميل بعد انقلابه وسمير جعجع عاى الاتفاق الثلاثي سنة 1986م.

عُرف سليم الحص بعصاميته، ونظافة كفّه، وتحسسه قضايا الفقراء والبائسين، وصلابته في المواقف السياسية، كما عُرف برقة إحساسه وإنسانيته المفرطة حتى أنّه امتنع عن توقيع مراسيم الإعدام. وهو إلى ذلك صاحب نكتة ولطف وإيناس يندر وجودهما لدى الكثير من السياسيين.

له عدد كبير من المقالات والدراسات والأبحاث والمقابلات الإعلامية والتصاريح في مختلف مجالات السياسة والاقتصاد، وأبرز مؤلفاته: The Development of Lebanon’s Financial Markets، ونافذة على المستقبل، ولبنان المعاناة والسلم (بالإنكليزية)، ولبنان على المفترق، ونقاط على الحروف، وحرب الضحايا على الضحايا، وعلى طريق الجمهورية الجديدة، وعهد القرار والهوى، وزمن الأمل والخيبة، وذكريات وعِبَر، وللحقيقة والتاريخ، ومحطات وطنية وقومية، ونحن والطائفية، وعصارة العمر، وصوت بلا صدى، وسلاح الموقف.

متأهلّ من السيّدة ليلى فرعون التي توفيت في 12 أيار سنة 1990م ولهما ابنة وحيدة هي وداد.

وبرز من أسرة الحص السادة: إبراهيم عبد الرحمن، إحسان عارف، أحمد خضر، أسامة عادل، أيمن برهان، جمال محيي الدين، حسام سامي، حسام محمد، سعيد الحص. وبرز من أسرة الحص أيضًا السادة: حسن الحص، وكمال برهان الحص المدير العام المساعد في بنك البحر المتوسط، وسامي الحص أحد أعضاء عمدة دار الأيتام الإسلامية، وخضر عادل، خليل منير، زهير عثمان، زياد عصام، سامي كمال، سامي محيي الدين، سعد الله شفيق، شفيق كامل، الطبيب شفيق وجيه الحص، طريف ناجي، عبد الحليم شفيق، عبد الرحمن مصطفى، عبد القادر محمد، عبد الله عبد الفتاح، عثمان عبد الرحمن، عصام خليل، عفيف محمد، علي عبد المجيد، عمر عبد الله، كامل محيي الدين، ماجد عبد الله، محمد زهير عبد القادر، محمد سعيد، محمد أشرف، محمد شريف الحص، محمد شريف محمد، محمد صادق شفيق، صادق شفيق، محمد منير شفيق، محمود عفيف، محيي الدين، منير خليل، ناجي، ناجي عبد الفتاح، نبيل حسين، نزيه محمد، هاني منير، وجيه كمال، وفيق خليل، وليد الحص وسواهم.

والحص لغةً واصطلاحًا تأتي بمعنى اللؤلؤة والزعفران، كما يطلق البيارتة على قطعة الليمون الواحدة أو قطعة الثوم الواحدة لفظ: “الحص” وتطلق مجازًا على الرجل قصير القامة، كما يُطلق لفظ الحص على الرجل الأبيض الجميل والنظيف والخلوق، فيقال بأنّ فلانًا كالحص؛ أي كاللؤلؤة.

آل العيتاني: رئيسان للوزراء وتسعة وزراء ونواب

وسبعة رؤساء بلدية وإسهامات علمية

وسياسية ووقفية واجتماعية وبلدية

سبق أن أشرنا إلى فروع آل العيتاني كبرى الأسر البيروتية لا سيّما فرع بيهم العيتاني والحص العيتاني. لذا لا بدّ من أن نؤرخ عن أسرة العيتاني الأصل، لا سيّما وأنّ هذه الأسرة العريقة، ذات النسب الشريف، قد أسهمت من خلال أصولها وفروعها بإسهامات سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية وعسكرية وبلدية وسواها. فقد تبوأ أفراد منها رئاسة الوزراء وهما:

  • (1879-1962).
  • الرئيس سليم الحص العيتاني (1929- ).

كما تولى أفراد منها مناصب وزارية ونيابية وهم:

  • محمد بن عبد الله بيهم العيتاني (1847-1915) نائب في مجلس المبعوثان العثماني، وعضو مجلس الأعيان العثماني.
  • حسن بن عبد القادر بن عبد الله بيهم العيتاني (1858-1925).
  • عبد الله بن عثمان بيهم العيتاني (1879-1962) نائبًا ورئيسًا للوزراء.
  • عمر بن محيي الدين بيهم العيتاني (1879-1964).
  • أمين بن أحمد مختار بيهم العيتاني (1899-1981) نائبًا ووزيرًا ورئيسًا لبلدية بيروت.
  • فوزي الحص العيتاني (1910-1966).
  • سليم الحص العيتاني (1929- ) رئيسًا للوزراء ووزيرًا ونائبًا.
  • بهاء الدين العيتاني (1941- ).
  • محمد الأمين العيتاني (1945- ).

أمّا رؤساء بلدية بيروت من آل بيهم العيتاني فهم سبعة رؤساء وهم على التوالي:

  • عبد الله بن حسين بيهم العيتاني عام 1864.
  • محيي الدين بيهم العيتاني أعوام 1874-1877.
  • محمد بن عبد الله بيهم العيتاني أعوام 1894-1897.
  • عبد القادر بيهم العيتاني عام 1906.
  • أحمد مختار بيهم العيتاني أعوام 1913-1914.
  • عمر بن محيي الدين بيهم العيتاني عام 1920.
  • أمين بن أحمد مختار بيهم العيتاني 1962-1981.

(للمزيد من التفاصيل راجع: د. حسان حلاق: آل بيهم في التاريخ، دار النهضة العربية، بيروت 2013).

بالإضافة إلى أعضاء كثر في مجالس بلدية بيروت المحروسة منهم، المهندس فوزي عيتاني (منذ عام 1945) ود. سليم عيتاني، والمهندسة بشرى عيتاني وسواهما الكثير. وبرز في التاريخ المعاصر:

النائب بهاء الدين عبد اللطيف عيتاني:

من مواليد بيروت المحروسة عام 1941، تلقى دروسه الابتدائية في مدرسة الدار الحمراء الحديثة والثانوية في (IC) الإنترناشيونال كولدج. تابع دراسته الجامعية في الجامعة الأميركية في بيروت وتخرّج منها عام 1965، حاملًا شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارية.

عمل مبكرًا في الميادين الوطنية والقومية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد شارك في:

  • تأسيس نادي رأس بيروت الثقافي والاجتماعي عام 1963.
  • النادي الثقافي العربي.
  • مجلس أمناء المركز الثقافي الإسلامي.

كما ترأس:

  • مجلس إدارة شركة عيتاني للتجارة والصناعة بين أعوام 1976-1996.
  • جمعية الكشاف العربي في لبنان.
  • الرئيس الفخري لجمعية شباب بيروت.
  • المشرف العام على مدرسة دار الحمراء الحديثة في رأس بيروت.

في عام 1966 انتخب نائبًا عن بيروت على لائحة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكان عضوًا في كتلة قرار بيروت، وعضوًا في لجنتي الإدارة والعدل والشؤون الخارجية. أسهم في إقرار العديد من القوانين المالية واتفاقات القروض، لا سيّما المتعلق منها بتنظيم المهن الحرة والبث التلفزيوني. استمر نائبًا ولمرة واحدة حتى عام 2000.

متأهل من السيّدة سمر عبد الحليم شهاب، ولهما: محمد وأحمد ومحمود (أنظر: عدنان محسن ضاهر ود. رياض غنام: المعجم النيابي اللبناني 1861-2006، ص 680-381).

النائب محمد الأمين محمود عيتاني:

من مواليد بيروت المحروسة عام 1945، تربى في كنف أسرة عيتانية ملتزمة بالمبادئ الوطنية والعربية والإسلامية، والقيم الأخلاقية. درس في مدارس المقاصد، ثمّ تابع في (IC) الإنترناشيونال كولدج، وتابع دراسته في الجامعة الأميركية فنال منها بكالوريوس في الاقتصاد.

التحق في سلك التعليم في مدارس المقاصد في بيروت، كما عمل مسؤولًا إداريًا فيها، وأسهم وشارك في عدة أنشطة وطنية وعربية، مدافعًا عن القضية اللبنانية وقضية فلسطين، وقد سجن في مطلع شبابه عدة مرات بسبب مواقفه الوطنية والقومية. كما آمن بالعيش المشترك الإسلامي – المسيحي، ودافع منذ سنين عديدة عن الصيغة اللبنانية التوافقية.

بدأ حياته المهنية في ميدان الصناعة، فترأس مجلس إدارة شركة عيتاني للطباعة التي تأسست عام 1973، وتمكن بالتعاون مع شقيقه السيّد زهير عيتاني من تطوير الشركة بحيث أصبحت من أولى شركات الطباعة ليس في لبنان فحسب، وإنّما في العالم العربي، نظرًا للتقنيات الحديثة التي أدخلت إلى مطابع الشركة.

في عام 2000 انتخب رئيسًا لاتحاد جمعيات العائلات البيروتية، واستمر رئيسًا له حتى عام 2006، في عام 2007 رشّحه الشيخ سعد الحريري للمقعد النيابي الشاغر في بيروت، فانتخب نائبًا عن بيروت بعد استشهاد القاضي الشهيد وليد عيدو في صيف عام 2007 في منطقة المنارة، واستمر نائبًا حتى استكمال سنوات الدورة النيابية 2005-2009، وقد نال في تلك الانتخابات ما يقارب 23 ألف من أصوات البيارتة في مقابل (3500) صوت لمرشح حركة الشعب إبراهيم الحلبي.

له إسهامات سياسية واجتماعية ورعائية وخيرية وتربوية. وله عدة مقالات في الصحف اللبنانية تعبر عن آرائه السياسية والفكرية. وله إسهامات عائلية مهمة، باعتباره رئيسًا لجمعية بني العيتاني منذ سنوات عديدة وما يزال، وقد نهض بإبناء عائلته، وبالتعاون مع أفراد العائلة ازدادت التقديمات الاجتماعية والصحية والتربوية والرعائية لأفراد الأسرة.

وفي الوقت نفسه، فقد نهض باتحاد جمعيات العائلات البيروتيى منذ أن تسلّم رئاسته عام 2000 ولدورتين متتاليتين، فقد ازداد عدد الجمعيات العائلية المنضوية في الاتحاد، كما ازدادت الأنشطة العائلية والتقديمات للعائلات البيروتية. وبات الاتحاد في ظل رئاسته في صلب المعادلة البيروتية واللبنانية، لذا، فقد شهد الاتحاد في عهده تولي عدد من أفراد اتحادجمعيات العائلات البيروتية مناصب وزارية ونيابية وبلدية وإدارية ومناصب عليا في الدولة اللبنانية.

كان صديقًا وفيًا للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما يزال صديقًا وفيًا للرئيس سعد الحريري.

عرف محمد الأمين عيتاني بحبّه لبيروت المحروسة وللبيارتة، كما عرف بتواضعه وتفانيه في خدمة المجتمع البيروتي. لهذا انتخب لمناصب عديدة، فبالإضافة إلى رئاسته لجمعية بني العيتاني، واتحاد جمعيات العائلات البيروتية، والمقعد النيابي عن بيروت، فقد انتخب عضوًا في مجلس أمناء جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت لعدّة دورات – وما يزال عضوًا-، وعضوًا في مجالس وجمعيات خيرية وكشفية ورياضية واجتماعية واقتصادية وتربوية. وما يزال حتى اليوم يسهم بالإضافة إلى أعماله الخاصة بخدمة المجتمع البيروتي واللبناني والعربي. وأكثر ما يميزه “النخوة البيروتية” أو ما يمكن أن يطلق عليه لقب “ابن بيروت الأصيل”.

من الأسر الإسلامية البيروتية البارزة. ومن المعروف أنّ قبيلة بني العيتاني من أكبر القبائل العربية. وقد يظن البعض بأنّ انتشارها الكثيف يقتصر على بيروت، بل ما تزال الأسرة في انتشارها الواسع في أرجاء العالم العربي والعالم. فقد أشار المهندس محمود إبراهيم عيتاني، بأنّه ما يزال في أسبانيا حتى اليوم أكثر من ستة آلاف شخص من آل العيتاني يعرفون باسم آل (Ithani)، كما يوجد في مدينة اوزاكا في اليابان حوالي عشرة آلاف شخص من الأسرة. وما تزال الأسرة منتشرة في المغرب وتونس وليبيا والجزائر وبلاد الشام وتركيا. وللأسرة وجود كثيف في منطقة “عينان” في المغرب، وفي منطقة “عيتا” في الخليج، ولمّا وصلت تباشير الحملات الإسلامية إلى بلاد الشام، أطلقت أسماء “عيتا” في لبنان لا سيّما عيتا الشعب وعيتا الفخار شبيهًا لعيتا الخليج إحدى مواطن العياتنة. وأشار المهندس محمود إبراهيم العيتاني، بأنّه كان منذ عدة سنوات في رومانيا، فدخل مسجدًا وقبرة تاريخية إسلامية، لاحظ شاهدًا على أحد قبور المقبرة محفور عليه اسم “إبراهيم آغا ألاي عيتاني”.

كما أوضح لي الأستاذ محيي الدين عيتاني بأنّ أسرة عيتاني ما تزال بفروعها إلى اليوم في منطقة تل متن في المغرب.

وآل العيتاني في بيروت المحروسة من العائلات العريقة التي تعود بجذورها إلى شبه الجزيرة العربية لا سيّما قبيلة بني مرة. وقد أسهم أجدادهم الأوائل بالفتوحات الإسلامية في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي. ومن المغرب العربي وصلت موجات من آل العيتاني للدفاع عن بيروت والثغور الإسلامية منذ العصور الوسطى لا سيّما في فترة الحروب الصليبية. لهذا نرى أنّ العائلة تميّزت منذ مئات السنين بالجرأة والأقدام والجهاد والرباط ومن هنا اشتق اسمها “العيتاني” والعائن هو الرجل الجريء القوي شديد الوطأة.

وقد تفرّع عن أسرة العيتاني أسر: بيهم، الحص، الغندور، وأكثر من أربعين عائلة بيروتية. غير أنّ الأمر اللافت في أسرة العيتاني كثرة ألقاب الفروع، فما من أسرة بيروتية أو لبنانية حملت ألقابًا كأسرة العيتاني، ومن بين هذه الألقاب: شباط، وابور، الغول، قاطور، حبوب، وقد أطلق على الحاج خليل عبد الحميد عيتاني مؤذن سابق في جامع خالد بن الوليد لقب “عروب” لأنّ والدته السيدة عربية شاتيلا تمييزًا له عن خليل عيتاني آخر. والمشهور عن الحاج خليل عيتاني أنّه أدّر فريضة الحج (27) مرة، وقد عاش (110) سنوات. وهذه ميزة الكثير من أفراد آل عيتاني فإنّهم يعيشون سنوات طويلة.

لقد تمركزت الأسرة في باطن بيروت داخل السور، وكانت – وما تزال – من أهم وأكبر العائلات البيروتية، ومن أبرز وجوهها الأميرال إبراهيم باشا العيتاني (قبودان باشا) زمن السلطان سليمان القانوني (1520-1566)، وكان يوسف بيهم العيتاني صديقًا للأمير بشير الشهابي الكبير، وكان عمر بيهم العيتاني رئيس مجلس الشورى في عهد الحكم المصري وعمدة التجار في بيروت. وكان حسين بيهم العيتاني رئيسًا للجمعية العلمية السورية وصديقًا للأمير عبد القادر الجزائري وكان محمد بن مصطفى بيهم العيتاني رئيسًا للمصرف الزراعي العثماني، مع أهمية الإشارة إلى أنّه تفرّع من عائلة العيتاني العديد من العائلات البيروتية البارزة، يأتي في مقدمتها: آل بيهم وآل الحص. وكان الحاج حسين بيهم العيتاني من أغنياء بيروت، يحرص في كل أسبوع على توزيع المساعدات المالية والغذائية على فقراء المدينة: مسلمين ومسيحيين دون تمييز، وعندما كان البيارتة يشاهدون باستمرار جمهور الفقراء والمحتاجين يسيرون في اتجاه دارة الحاج حسين العيتاني يتساءلون: إلى أين يذهب هؤلاء الفقراء، فكان الرد: أنّهم يذهبون إلى “بيهم” أي إلى “أبيهم” وقد كررها كثيرًا المصريون الذين كانوا يعيشون في بيروت قبل وأثناء وبعد الحكم المصري لبيروت وبلاد الشام (1831-1840) خاصة وأنّ المصريين يقولون لأبيهم: بيهم، ولأمير القوم: ميرهم، ولسيّد القوم: سيدهم.

لذلم أطلق على الحاج حسين العيتاني اسم الحاج حسين بيهم العيتاني ومن ثمّ حمل لقب بيهم أقارب الحاج حسين وأولاده وأحفاده وذريته. أمّا فيما يختص بلقب “الحص” فقد كان أحد أجداد آل العيتاني مثل “حص الألماس” واللؤلؤ شكلًا ومضمونًا، فأعطي هذا اللقب.

ويستفاد من ديوان مفتي بيروت الشيخ عبد اللطيف فتح الله (1766-1844) من أسرة الغندور هي فرع من آل العيتاني لإشارته إلى السيّد مصطفى الغندور ابن المرحوم صالح العيتاني (الديوان، ج 1، ص 384، 472-473) كما يستفاد من ديوان المفتي فتح الله، (ج 1، ص 565) من أسرة المهتدي في بيروت هي فرع من آل العيتاني أو اعتنقت الإسلام بواسطة آل عيتاني لإشارته إلى مصطفى المهتدي الشهير يتابع العيتاني.

إنّ بيروت المحروسة وآل العيتاني توأمان لا ينفصلان، فإذا ذكرت بيروت لا يمكن إلا ويذكر معها آل العيتاني هذه العائلة الأصيلة التي أسهمت في بناء المساجد وترميمها وتولي أوقافها وفي مقدمتها جامع عين المريسة وجامع البسطة الفوقا وجامع المجيدية، وجامع الإمام الأوزاعي (رضي الله عنه) وسواها الكثير، وأسهمت العائلة في بناء المدارس والمؤسسات التربوية والخيرية والاجتماعية والإنسانية وفي مقدمتها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية.

ومنذ أن تولى خورشيد باشا حكم بيروت من قبل العثمانيين عام 1274ه – 1857م، واجهت البيارتة بعض الأزمات، وكان لا بد من بعض المواقف، فقد كان خورشيد باشا يعين في كل سنة لجنة قوامها ستة أشخاص من أعيان بيروت، كانت تسمّى “قومسيون لم العسكر” أو “مجلس قومسيون فوق العادة في بيروت”. وكان على هذا المجلس مسؤولية جمع العساكر من أبناء بيروت للسفر للجهادية وللخدمة العسكرية خارج بيروت وخارج البلاد. وكان خورشيد باشا قد أوكل هذه المهمة لأحد الضباط الأتراك حديثي العهد في بيروت وطلب منه جمع العساكر في بيروت. فطلب هذا الضابط من “مجلس القومسيون” جمع الشبان البيارتة الذين هم دون السن، خلافًا لما حددته الفرمانات السلطانية. فما كان من الحاج حسين بيهم العيتاني (1833-1881) – عضو “مجلس القومسيون” ورئيس الجمعية العلمية السورية المشهور بجرأته وقدرته على مواجهة السلبيات في العهد العثماني – إلا أن اعترض على تصرف الضابط التركي موضحًا بأنّ بيروت لا تقدّم للجندية الذين هم تحت السن القانونية، وإنّما ستقدم العدد الذي يمكن أن تقدمه، لأنّ بيروت عانت كثيرًا في السنوات الماضية، وضحّت ولا تزال تضحّي. وأنّه لا يمكن للأفراد الذين يعيلون أرامل وأيتامًا وأطفالًا أن يذهبوا إلى أقاصي الولايات العثمانية، ومن الممكن ألا يعودوا مطلقًا، وفي هذه الحال من يتولى ويعيل أمر هذه العائلات؟

فأوضح الضابط العثماني: “أنا لا أعرف بهذه الأمور، إنّما أريد أن أنفّذ أمر الدولة” وقال: “بو دولت أمريدر” أي “هذا أمر الدولة”. ممّا أغضب الحاج حسين بيهم العيتاني ولجنة القومسيون، فطوى سجل نفوس وقيد العسكر وذهب محتجًا. ولمّا وصل الخبر إلى خورشيد باشا، أرسل فورًا مساعده لتقديم الاعتذار على ما جرى، وعلى ما أبداه الضابط من تصرف غير لائق. غير أنّ الحاج حسين رفض الاعتذار مؤكدًا أنّ “مجلس القومسيون” لن يجتمع بعد الآن، إلا إذا نقل الضابط من مركز عمله من بيروت إلى الخارج. وبالفعل فقد استجاب خورشيد باشا لطلب الحاج حسين بيهم وطلب أهل بيروت، ونقل الضابط في اليوم التالي من بيروت إلى منطقة أخرى. ثمّ أكّد الحاج حسين لخورشيد باشا أنّ على أبناء بيروت أن يدافعوا ويصونوا مدينتهن أولًا في ظل الظروف الحرجة والصعبة التي كانت قائمة في جبل لبنان.

ولمّا نشبت الفتنة الطائفية في جبل لبنان عام 1860 بين الدروز والموارنة، وبدأ القتال الطائفي على أشدّه بين الطائفتين من قتل وتدمير وحرق للبيوت، ممّا اضطر أهل الجبل للنزوح إلى بيروت لا سيّما النساء والأطفال والعجزة من مختلف الطوائف المسيحية والإسلامية. وقد قام أبناء بيروت وآل العيتاني بدور مشرّف في حماية المسيحيين العزّل والمدنيين، ففتحوا بيوتهم لهم ولسواهم من الدروز والسنّة، ووزّعوا عليهم المواد الغذائية، ونوّه المعاصرون بموقف عقلاء المسلمين في بيروت ودمشق الذين رفضوا امتداد الفتنة إليهم. وكان الأمير عبد القادر الجزائري أبرز حماة المسيحيين في دمشق، وكان عمر أفندي بيهم العيتاني أبرز حماة المسيحيين في دمشق، وكان عمر أفندي بيهم العيتاني أبرز حماة المسيحيين في بيروت.

ومن الأهمية بمكان القول، أن نتساءل. وهل المواقف المضيئة تكون عادة في الحرب وفي القتال فحسب! بالتأكيد فإنّ المواقف الإيجابية يمكن أن تسجل في مختلف الميادين والأنشطة.

إنّ إنشاء المدارس والمعاهد وتنمية العلوم والثقافة في بيروت يعتبر موقفًا وموقفًا هامًا لا يقلّ أهمية عن مواقف وقرارات أبناء بيروت بالاشتراك في الدفاع عن مدينتهم وعن ديار الإسلام والعروبة.

إنّه موقف لتحدي الجهل والتخلف. ومن هنا كانت قرارات إنشاء المدارس والمعاهد الخاصة والعامة، وتأسيس الصحف العديدة والمطابع والجمعيات العلمية والأدبية. وكانت أهم جمعية تأسست في بيروت عام 1858 هي الجمعية العلمية السورية التي كان يرأسها الحاج حسين بيهم العيتاني ومن أعضائها: ناصيف اليازجي، إبراهيم اليازجي، رزق الله خضرا، حبيب بسترس، حنين الخوري، سليم البستاني، عبد الرحيم بدران، سليم شحادة، سليم رمضان، موسى فريج، الأمير محمد أرسلان، حبيب جلخ، وسواهم. وقد ساهمت هذه الجمعية في الحياة السياسية البيروتية، ووزعت مناشير سرية في بيروت بين العامين (1880-1881) دعت فيها إلى الوطن السوري الموحّد، وانتهت المناشير بأبيات إبراهيم اليازجي الشعرية القائلة: “تنبهوا واستفيقوا أيّها العرب”. وفضلًا عن ذلك فقد تأسست في بيروت عدة مؤسسات أجنبية، يأتي في مقدمتها “الكلية – السورية الإنجيلية” والجامعة اليسوعية، حيث أقبل البيارتة على التعلم فيهما.

وكان إنشاء جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت في الأول من شعبان عام 1295 ه- 16 تموز 1878 م بمثابة ثورة ثقافية للمسلمين في بيروت في مواجهة هجمة المؤسسات الأجنبية ونشاطاتها لدى الطوائف الإسلامية. وكانت هذه الثورة الثقافية لأهل بيروت في العهد العثماني تماثل تمامًا الثورة الثقافية التي أحدثتها جمعية البر والإحسان البيروتية بتأسيسها جامعة بيروت العربية عام 1960 بالتعاون مع الشقيقة مصر، وكانت أسرة العيتاني في مقدمة مؤسسي جمعية المقاصد، والمتبرعين لها.

Categories:   حرف العين, عائلات بيروتية

Comments

Sorry, comments are closed for this item.